الضوء الأول على صحراء نجد عام 1941 كان دخانًا أس

ود يصعد من مزرعة سليمان، حيث انفجرت خزانة نفطية

تحت الأرض بعد يومين من أول علامة حفر. لم يكن ذلك

مجرد اكتشاف — بل كسر للواقع: من الآن فصاعدًا، ل

ا تُحسب الديون بالغلام، ولا يُحل النزاع بالمساوم

ة. كل شيء أصبح قابلًا للتحويل إلى نقود، وكل رجل

صامت في القبيلة يُصبح قادرًا على شراء السيف من ا

لبائع.

في هذا الزمن الجديد، اختلفت معالم الهوية والانتم

اء. لم تعد القبيلة تُعرف بمن يحمل سيف الجد، بل ب

من يملك بطاقة سحب من مكتب "التحديث". ك

ان الجميع

يُحَوِّل الدم إلى عملة، حتى الأبطال الذين يُدعون

أنهم يحفظون الشرف.

لم يكن المهندس المبتكر، سامي بن جمعة، من النوع ا

لذي يرفع صوته. كان يبني خطوط إرسال تربط بين الوه

ابيين والجنوبين، يرسم الخرائط التي تحدد من يملك

ماذا. لكن حين اختفى اسمه من قائمة التوزيع، وظهرت

رسالة على جدار المسجد: «دمها لجُزء واحد من الشج

رة»، غيّر كل شيء.

أخته، لينا، كانت قد زارت وادي الحميض لجمع أوراق

الزعتر قبل أيام. عادت على فرسها، مقطوعة الرأس، م

علّقة فوق شجرة السدر، كأنها تُقرّب للآلهة. لم يُ

صرّخ أحد. لم يُعلن عن الجريمة. فقط تجمّع الناس ح

ول الشجرة، وسجّلوا في دفتر «الاستقرار». القانون

الجديد قال: لا تُذكر الجريمة إلا عند الطلب، ويُد

فع ثمنها بدم قريب.

سامي لم يُخبر أحدًا. بدأ بدراسة الخرائط القديمة،

ووضع خطًا من خلال الصحراء، عبر الكهوف التي لم ت

ُستخدم منذ عهد الملك عبد العزيز. استخدم معايير ا

لهندسة التي تعلمها في الرياض، لكنه غيرها: استبدا

ل الطول بالكثافة، والاتجاه بالخطوة. صنع جهازًا ي

ُسمع صوتًا عند دخول نفاذة هوائية — لا يُمكن إخفا

ؤه.

في ليلة القمر الأحمر، وصل إلى قبر أبويه. داخله،

وُجدت أداة حفر تمثل شكل طائر الجمل. هذه كانت من

أدوات القبائل الأولى، مكتوب عليها: «لا تُسْتَعمل

إلا إذا كان الدم قد طُلب». صنعها هو نفسه، في سن

العشرين، كتجربة. لم يصدق أنها ستُستخدم اليوم.

دخل الكهف. وجد أثرًا لسيف على الرمال. وقف أمام ح

جر محفور عليه: «الثأر ليس ممنوعًا، لكنه لا يُخلَ

ّص إلا مرة واحدة». قرأها. ثم ضغط على الجهاز. صار

خرطومًا من الضوء يتسلل من الجدار. من الداخل، نز

ل سبعة رجال، كلهم يحملون أقنعة من الجلد، ومعهم س

كين من نحاس. لم يقل شيئًا. تقدموا بخطوات متزامنة

.

سمى سامي نفسه بأسماء القبائل التي قُتل فيها أهله

ا. ثم نظر إلى المقدمة. وحدّد مكان العين. ضغط على

الزر. انفجر الضوء. سقط الحجر. انقضّ الرجال، لكن

أحدًا لم يُصب. لأن كل واحد كان يحمل نفس الشكل،

نفس الحركة، نفس وجه. كانوا نسخًا من الذات، صُنعت

من ذكريات القتل.

بعد ثلاث ساعات، عاد سامي إلى القرية. لم يُكن يحم

ل أي سيف. فقط حقيبة بها كتب هندسية. وقف أمام بيت

أخيه. أغلق الباب. سكب الماء من قارورة صغيرة على

الأرض. لم يُبقِ أي أثر.

الغد، وُجدت رسالة موقعة باسم «المحاسب» في مكتب ا

لتعليم. كتب فيها: «الحسابات تُستكمل. لا توجد ديو

ن جديدة». وفي اليوم التالي، أُوقفت جميع أنشطة ال

حفر في المنطقة. ولم يُعد أحد يتحدث عن قبر الحميض

.

الاسم سامي بن جمعة ظل في السجل، لكنه لم يُذكر في

أي خطاب رسمي. أما القصة؟ فقد أصبحت في حكايات ال

عائلات: أن من يُريد الثأر، لا يُقتله أحد. بل يُص

بح مثله.