في صبيحة 1954، وقف المهندس المبتكر خالد بن حميد
على حافة حفرة عميقة جُرفت لبناء مدرسة في حيّ الس
ليمانية، حيث كان كل شيء يُحسب بحسابات دقيقة — حت
ى الأراضي التي تُوزع بحسب أسماء القبائل. لكن الح
فرة، ذات العمق غير المُعلن، لم تُستكمل بعد.
أول من هبط فيها كان قائد العمل، فانكسرت ساقه بصد
مة مفاجئة عند وقوفه على طبقتين من الطين الصلب لا
يُشبه أي ما يعرفه الجغرافيا المحلية. سُحب إلى ا
لمستشفى، وتُوفي قبل الفجر.
المساكنة في الرأس انتشرت: لا أحد يجرؤ على النزول
ثانية. ولكن خالد، الذي كتب تقاريره بخط يمينه رغ
م كونه ممنوعًا من العمال اليوميين، شرع في تحليل
التضاريس باستخدام دفتر ملاحظاته المنقوش بعلامات
قديمة من نجد.
في الليلة الثالثة، وجد شيئًا لم يكن مُدرجًا في أ
ي خريطة: طبقة من الخرسانة محبوكة بسلالم محفورة ب
أحرف لا تنتمي لأي لغة معروفة، لكنها تحوي رموزًا
مُضادة للنور، كما لو كانت تُخبر من لا يقرأها أن
"هناك مَنْ يُحصِّل الدم".
لم يكن هذا مجرد سر دفين. بل كان مركزًا يُرسل إشا
رات عبر الصخور إلى أماكن بعيدة، حيث تُبنى المدن
الجديدة. عندما اكتشف أن النظام الجديد للتأسيس —
المعروف بـ"الإطار الوطني" — يستخدم هذه
الشبكات ل
توجيه التحويلات السكانية، استقرّ في ذهنه: كل قري
ة تُنقل، كل اسم يُحذف، كل طلب للعودة يُرفض بحجة
"الاستقرار".
ما كان مُقدّمًا كدولة واحدة، أصبح نظامًا يُعدّل
الواقع نفسه: الأرض تُختزل، والذاكرة تُحوّل، والغ
ربة تُفرض كقانون.
في ليلة أول ديسمبر، نزل خالد في الحفرة مرة أخرى.
لم يحمل ضوءًا. انتظر حتى صوت الريح تغيّر بتلات
التراب، ثم تقدم. وجد داخل جوف الصخرة دائرة من ال
حجارة حُفر عليها أسماء قبائل كاملة — بعضها لم يُ
ذكر في السجلات منذ عقود.
عندما لمسها، اختفى آخر خطاب رسمي في الدولة عن "ا
لتوحيد الوظيفي". ولم يعد أحد يطلب التوظيف أو اله
وية.
في صباح اليوم التالي، توقفت آلة الحفر. وقف مسؤول
التأسيس في الحي، ووضع يده على جدار المدرسة، وقا
ل بصوت مكتوم: "لا نعود".
وأصبحت الحفرة، دون أن يُعرف كيف، معلمًا جديدًا.
تُزرع حولها أشجارًا حديثة لا تُثمر. ويُقال إن من
يمرّ بها في الليل، يسمع صوت حفرةٍ تُستأنف من جد
يد.


