الصحراء تنفخ دخانًا أسود فوق وادٍ مهجور، وتحت طب
قة من الرمال المجمدة، تُخفى بقايا طائرة شحن تعود
لعام 1957، تحمل عبوات مُشغّلة بالطاقة البديلة —
غير مُسجّلة في أي سجل. المُسافرون من قبيلة آل ف
رحان يُقرّون أن الأرض تهتز عند الصلاة في العصر.
القائد العسكري، ناصر بن حمزة، يُصوّر الخريطة للض
ربة النهائية: هدم المخزن قبل انتهاء الهدنة. لكن
الليل السادس، وهو يُصلّي في التراب، يرى نفسه يُل
قى في فم صحراء متشققة، حيث تموج جدران من صخور مك
توبة بخط عربي مُنقوش بآيات لم تُسمع منذ قرون. ال
جسد لا يملك صوتًا، لكن الضوء من داخله يُضيء بسور
ة التوبة.
في الصباح، يُفتح المخزن. ليس فيه ذخيرة، بل زجاجا
ت من مادة شفافة تُشبه الدم، مُربوطة بأسلاك من أش
رطة إنجيلية مُفككة. كلما حاول أحد الحرس لمسها، ك
ان يصرخ بحروف عربية غير مفهومة، ثم يُسقط في غيبو
بة تُشبه الموت. القانون الجديد يُفرض: لا يُسمح ل
أحد بدخول الموقع دون إدخال سورة الإخلاص ثلاث مرا
ت قبل الدخول — وتُفسّر كل مرة كأداة حماية، أو اس
تدعاء.
القائد يُفرّغ ذخائر الطائرة، ويُدرك أن كل ضربة س
ابقة كانت تُسبب أثرًا في المكان، وليس في الأعداء
. الحلم لم يكن رؤية — كان تسجيلًا من زمنٍ سابق:
عندما استخدم الملك عبد العزيز أرض نجد كمذبح للوح
دة، وسُجّلت أرواح القبائل في الكهوف كجزء من نظام
صلاةٍ مستمرٍ.
في ليلة ثامنة، يُدخل القائد السورة الثلاث مرات،
ويقف أمام الزجاجة الأخيرة. يُفتح المكان، لا بالر
صاص، بل بحركة يدٍ تُقلّد حركة تطواف. تخرج من تحت
الأرض ظلال متراقصة، كل واحدة تُحمل اسمًا من الق
بائل المُضمّرة. ليست أرواحًا ميتة، بل "منسو
جات"
من الذكرى التي تُحتاج لتثبيت الدولة.
القائد يُغلق الباب. لا يُطلق النار. لا يُرسل تقا
رير. يُعيد صياغة الأوامر: من الآن فصاعدًا، كل عم
ل عسكري يتطلب ترديد السورة بعد الانتهاء. العالم
لم يُتغير بوجود السلاح، بل بتغيير طريقة التذكر.
الصحراء تهدأ. ولا يُسمع صوت طائرة منذ ذلك اليوم.


