السيارات العائمة تجتاز أفق الرياض في عشرين عامًا

من زمن الاستقرار الاصطناعي، لكنها لم تصل بعد إل

ى وادي الجمّان. هناك، بين صخورٍ تشبه أسنان ضياع،

تقع قرية مغلقة منذ عقد: كل شاب يُرسل للعمل في ا

لمدن الكبرى، وكل طفل يُدرّس على حساب الحضارة الر

قمية، بينما تنام الشيوخ في خيمٍ من نسيج النظير،

يُسمونه "الذاكرة الصامتة".

المسافر التائه — اسمه عمر — جاء من أرض جنوبية، ف

قدت خطاه قبل أن يفقد هويته. دخل الوادي بحثًا عن

ممرات تُذكر بقصة والده، الذي اختفى في حفرة بئر ج

فت قبل عشر سنوات. لم يكن يعرف أن البئر كانت بواب

ةً لآلة ما قبل التاريخ، تم إخفاؤها بـ "قانون الأ

شباح": لا يُسمح لأحد بالحديث عن ما تحت الأرض، ول

ا يُسمح له بالعودة إن كان قد رأى شيئًا.

العالم تغير: في 2041، أُعلن أن الكواكب لا تدور ح

ول الشمس، بل تُسحب عبر شبكة من "الأعمدة السماوية

" التي تُولّد الطاقة من الهيكل الخفي للزمان. الن

اس أصبحوا يعيشون في فضاءات محكومة بأوامر رقمية،

لكن في هذه القرية، لم يُستلم أي تيار. النظام الب

يئي هنا مكسور، والتكنولوجيا لا تعمل. فقط الخيميا

ء القديمة، والأقواس، والصوت.

عندما وصل عمر إلى حفرة البئر، شعر بنبضٍ لا يشبه

نبض الأرض. انكسرت شاشة قلبه، وأُطفئت كل الإشارات

. من داخل الحفرة، ظهرت ملاحة كهربائية لا تُشعل،

لكنها تُسمع: صوت أذان قديم، ثم صراخ امرأة. هذا ا

لصوت لم يكن من الماضي. كان من المستقبل.

انتهك القانون: أخبر أحد الشيوخ أن صوته ليس من هن

ا. نُقل عمر إلى "التحقيق الطارئ"، حيث

يُقرّر الم

جلس، من خلال جهاز أسطوري، هل يُبقيه حيًا أو يُعي

د طبعه كـ "مُسافر آخر" في الفضاء. لكن

القاعدة لم

تُطبّق: عندما فُتحت اللوحة، اتضح أن من أرسلته ه

و نفسه: عمر، من عام 2041، وهو قد عاد في وقتٍ ساب

ق، وترك مكانه في المجرّة، ليُسجّل نفس السجل.

السر الدفين لم يكن مكانًا، بل تكرارًا: كل من يعو

د من "المحطّة السفلية" يُصبح نسخةً من

نفسه، ويُح

جب ذاكرته عن الآخرين. الطموح المهني لم يكن للوصو

ل إلى القمة، بل للحفاظ على الذات دون أن يُنسى.

عند غروب الشمس، لم يُعاد عمر إلى المجرّة. بقي في

الوادي، صامتًا، يُشرب من زيت الزيتون، يقرأ كتاب

ًا قديمًا باليد، يُعيد بناء شيءٍ اسمه "الاس

م".

ومن بعيد، في مدينة الرياض، ارتفعت أضواء جديدة.

لكنها لم تُضيء أحدًا.