السحابة جاءت في صيف 1957، من غير نبأ، من دون ريا
ح، من فوق جبل عينات. امتدّت كغيمة حمراء فوق نجد،
وانكسر كل شيءٍ بداخلها: التوقيت، النوم، حتى صوت
الصلاة. الظلام لم يعود مُظلمًا — بل كان له ذوقٌ
، كأن الدموع تُسجّل في الهواء.
الناس بدأوا يُرون أشباحًا من أقاربهم، لكنها كانت
لا تُشبههم. بعضهم تحدث معهم بعَلمٍ مُقدّس، آخرو
ن أغمضوا عيونهم فوجدوها مفتوحةً في مكانٍ آخر. في
القُرى، بدأت الأسر تتقطّع. كل يوم، يُكتشف طفلٌ
جديد يُنادي والده باسم غريب، أو امرأةٌ تنام في ب
يتٍ ليس لها.
في قرية الجبيّة، استقرّ الداعية ابن عوض، المعروف
بخطاباته التي تُسجّل في الحجر. كان يصلي لله وهو
يُهمس بأسماء من قُدم، ويُصوّر خطبه بقلمٍ حديدٍ
لا يُنقرض. في العشرين من عمره، لم يُعدّ لأحدٍ طع
امًا. يقولون إنه يسمع الله من بعيد، وأنه يُعطي ا
لخير من دون طلب.
لكن في ليلةٍ من ليالي السحابة، انطفأت شمعةٌ أمام
مسجد الجبيّة. دخل الجيران المسجد، فوجدوا الشريط
الرملي الذي يُغطي حفرةً تحت المنبر قد انشقّ. دا
خلها، جثةٌ مدفونة منذ ستين عامًا — لكنها لم تتحل
ّل. على صدرها: كتابٌ مكتوبٌ بخطٍّ مُستطيل، اسمه:
"الخائن".
الداعية انطلق من الكنيسة، يصرخ بجهدٍ لم يُعرف من
قبل. ثم سكت. وعاد إلى منزله. في اليوم التالي، ق
ال لزوجته: "لا تطلبي مني أن أصلي بعد الآن&q
uot;. صمتت
، ووضعت له الطعام على الطبق، لكنه لم يأكل.
في اليوم الثالث، دخل مدرسته، ووقف أمام الطلاب. ق
ال: "كل من يسمع صوتي من هذه اللحظة، سيكون خائناً
في النهاية". صرخوا، لكنه لم يرفع صوته. فقط همس:
"السرّ ليس في الجسد... بل في الكلمة التي تُقال
بقلبٍ غير نقي".
السحابة بدأت تذوب. الأرواح عادت إلى أماكنها. لكن
الجيبية لم تعد كما كانت. الناس يتجنبون النظر في
عيون بعضهم. أولئك الذين سمعوا خطبة الداعية، لم
يتحدثوا عن ذلك أبدًا. ولم يُذكر اسمه في أي مؤتمر
ديني.
بعد ثلاث سنوات، عُثر على حفرةٍ جديدة عند مدخل ال
قريّة. فيها، جثةٌ أخرى. لم تكن لشخصٍ معروف. على
صدرها، نفس الكتاب. وللمرة الأولى، كان هناك اسمٌ
مكتوبٌ على الغلاف: "ابن عوض".
السحابة لم ترجع. لكن العالم تغير. أصبح الجميع يع
رف أن الكلام، إذا لم يكن مُصاغًا بصدقٍ، سيُخرجه
من نفسه كخيانة.


