الوادي الهامد في نجد، حيث كانت الرياح تسمع صوت ا
لقبور، أصبح الآن محفوراً بالأنابيب الحديدية التي
تمتد كأذني عين من حجر. لم تعد الأرض تُحتمل الحز
ن — بل تُنتج شحنات كهربائية من طاقات لا تُفسر، م
ستمدة من روحٍ مُكبلة في جذور الشوك.
العلماء أقروا: "كل من يقترب من الممر الداخلي للو
ادي يُصاب بفقدان الصوت، ثم يتكرر كل ما قاله في ا
لماضي". القانون الجديد: لا يُسمح لأحد بالتحدث دا
خل حدود الموقع. حتى الأطفال يتعلمون الصمت منذ ال
رضاعة.
عاد خالد، الابن العاق، من الرياض بعد أن غادر دون
وداع. لم يُرَّس خطوة في حفل زفاف أخيه، لم يُرسل
رسالة عند وفاة والده. جاء الآن وهو يعرف أن الخط
أ الوحيد الذي ارتكبه كان إغفاله أن يحمل معه صوتا
ً واحداً من أمه.
في الليل، دخل الوادي عبر مدخل غير مسجل. اصطدم بح
اجز من ضوء أزرق. صوتُه انكسر فجأة — لكنه استطاع
سماع نفسه يقول، بصوتٍ يشبه حلمٍ طويل: "أنا آتي ل
أصلح ما فعلت". الكلمات انطفأت قبل أن تُسمع.
من تحت التراب، ظهرت صورة أبيه القديمة — مرآة تُظ
هر من هو على خشبة المسرح، لا أحد يتحرك. لكنه يشع
ر أن الجِنْبِ لا يزال يسجّل كل كلمة.
عندما أخذ يصعد المنحدر، انفجرت الصحراء بأصوات مئ
ات الأشباح الصامتة. كل واحدة تحاول أن تقول شيئًا
: "أنا كنتُ هنا"، "أنا كنتُ صديقك
"، "أنا ماذا؟"
— لكن لا شيء يخرج.
حين وقف أمام الكهف المركزي، رأى لوحة من حجر تُخا
طب القيم الأصيلة: "من يُحدث صوتاً هنا، يُستبدله
بقلبه". خالد نظر إلى حجر ثقيل في يده — كان يحمله
منذ ولادته. رمى به في الفجوة.
الصمت انكسر.
العالم حوله بدأ ينفتح. أنابيب الإضاءة انطفأت. ال
أرض توقّفت عن الاهتزاز. وفجأة، صدرت صرخة واحدة م
ن بعيد — نداءٌ لا يمكن نسيانه، صوت أمّه.
بعد ذلك، لم يُذكر اسم خالد في أي سجل. لكن الناس
في القرية بدأوا يرتدون ملابس بيضاء، ويجلسون في ا
لدورات دون حديث، يبحثون عن شيء لم يُعرف بعد.
الوادي لا يزال يعمل. لكنه لم يعد يُستمد منه الصو
ت.


