في وادي نجد، حيث اشتعلت أولى آبار النفط فوق رمال
لم تُكتب عليها إلا أسماء القبائل، خرج مُحمد من
شجرة الحُرّاس بدمٍ على لحيته وغصن من جذع النخلة
كفانٍ للعين. كان آخر من رفع الصوت ضد حلف "التجار
ة الحمراء"، سُمع من قبل من أهل قبيلة الحُميد، فج
ُرح بسكين مُزَوَّقة بقبعة زعيم المحافظة.
لم يعد بعد ذلك قادرًا على الكلام. لا بسبب الصدمة
، بل لأن القانون الجديد — الذي نُصّ عليه في مجلس
الشورى الأول — يمنع كل من سُجل اسمه في "سجل الأ
بناء العاقين" من إقامة أي تجارة أو مفاوضة. منعته
الرقابة من التعامل مع السوق، ومنعته العائلة من
الخروج إلى مدينة الرياض.
لكن في الليل، بينما كانت سيارات الدبلوماسيين تشق
ّ المطر تحت ضوء المصباح الساطع، بدأ مُحمد يُعيد
حفر الآبار التي استُخدمت في الماضي لاستخراج الما
ء. لا لاستخراج النفط، بل لاستخراج مياه من طبقات
قديمة، ثم يُرسلها عبر أنابيب مخفية إلى قرى الجبل
. عمل بدون اسم، بدون تصريح، بدون صوت.
الأرض، منذ ظهور النفط، أصبحت تُقاس بالضوء: فكلّ
من يملك مصباحًا أمام منزله يُعتبر مواطنًا مُعتمد
ًا. أما من يعيش في الظلام، فهو مُقصى. لكن مُحمد
أدرك أن هناك نوعًا جديدًا من الضوء: لا يأتي من ا
لفوسفور ولا من الكهرباء، بل من المياه التي تُعاد
تدويرها من خلال نظام يُشبه قديمًا ما كان يُعرف
بـ "الحمى".
بدأ يُبني "حمى صغيرة" — مجرد قبة من ال
طين والماء
— في أعماق الوادي. فيها، تُجمع عناصر الطبيعة ال
قديمة: ماء من ممرات جوفية، وتربة من جذور نخيل مي
ت، وقرن من دجاجة مفقودة. صنع منها مرهمًا يُطبَّق
على الجروح، ويُباع في السوق السريّة بمقابل ثمن
يُحسب بقطعة من القمح.
في الشهر السابع، هبطت موجة جفاف على نجد. قطع الت
يار عن 47 قرية. وحين بدأ أطفال يُصابون بالقيء، و
قف رجال القبائل أمام مدخل "الحمى"، ينظ
رون إلى ال
مرآة البلاستيكية التي تُظهر انعكاسًا غير حقيقي:
وجه مُحمد، وقد تغير لون عينيه إلى اللون الأزرق ا
لداكن — كأنه تحدّث مع شيء لم يُكشف بعد.
السبب؟ كان قد استخدم ماءً من طبقة أعمق من المعرو
ف، وهو ما لم يُسجّل في أي مخطط. النظام الجديد يُ
حظر استخدام المياه غير المسجّلة، لكنه لم يُشرِح
ماذا يحدث إذا تم استخدامها.
الرجل الذي أُخرج من الحياة التجارية، أصبح هو من
يُحدد من يستحق أن يعيش. ولأنه لم يقل كلمة واحدة
منذ الحرب، لم يكن له مظلمة، فلم يُجرَّم. فقط احت
ُجز، ثم أُطلق، وبعد ثلاثة أيام، جاء صوتٌ من الوا
دي: "الحمى عادت".
النجارون أعادوا بناء سورها. العُمال أعادوا تعليق
السلسلة الذهبية التي كانت تُستخدم لقياس الماء.
وقبل أن يُغلق المساء، وضع مُحمد يده على جدارها،
وشعر بنبضٍ خفيّ، كأن الأرض نفسها تنفّس من جديد.
النجاح التجاري لم يكن في البيع، بل في الصمت الذي
تحمّله القبيلة.
والحمى لم تعد مجرد مكان. أصبحت عقدة في الجسد الو
طني.


