الضوء الباهت فوق وادي الشعيب كان يُنذر بانقطاع ا
لسير على الطريق الجديد، حيث توقفت شاحنةٌ تحمل خز
انات من النفط الخام إلى السوق في الرياض. كانت هذ
ه أول شحنة من حقل الجبّان، والذين اشتروها لا يعر
فون أن الاسم العائلي لصاحبها، بن سليمان، مكتوب ع
لى علامة الطيور في زاوية الخزان.
القبيلة التي اغتالت أبيه قبل عقدٍ من الزمن كانت
تعرف هذا الاسم. لم يكن مجرد مالك مُفلِس، بل هو ا
لناجي الوحيد من الهجوم الذي دُمِّر فيه مخيمه بال
كامل، ولم يُلقِ أحد عليه نظرةً من الأسف سوى فتاة
صغيرة كانت تخبئ نفسها تحت القماش المُلوّن عند ب
اب الخيمة.
القوانين الجديدة للدولة بدأت تُطبّق: كل تاجر مُس
جّل يجب أن يُقدّم إقرارًا بالولاء لكل من يتولى ا
لسلطة، حتى لو لم يُذكر اسمه. ولكن بن سليمان لم ي
ُصرّح بأي شيء. لم يُسمِّ أي جهة. فقط وضع أوراقه
في صندوقٍ مغلق أمام حارس حدود في مكة، ثم اختفى.
بعد ثلاثة أسابيع، انطفأت أضواء المدينة الجنوبية.
توقفت الكهرباء، ثم الانبعاثات من خطوط التصنيع.
تبيّن أن خزانات النفط كانت متصلة بشبكة مُحكمَة م
ن التحكم الآلي، ومصدرها كان جهازًا صغيرًا داخل ص
ندوقٍ معدنيّ، وُضع في قلب مبنى المحافظة. النظام
توقف بسبب تعطيل إشارة واحدة — لا تُذكر، لا تُكتب
، لا تُستدعى.
في اليوم التالي، وقف بن سليمان أمام مجلس الشيخين
، لم يقل كلمة. فقط رفع يده، وأظهر مخطوطةً مُرسوم
ة بدمٍ قديم: اسمه، واسم القبيلة التي قتلته، وتحت
ذلك: "لم أُطلب مني أن أكون بريئًا. فقط أن أُحِس
َّ".
الآلاف تجمّعوا حول المبنى. لم يكن هناك حرقٌ، ولا
صراخ. فقط صمتٌ غريبٌ، وكأن الأرض تتنفس. بعد ساع
تين، أرسلوا رسالة: "من الآن، لا يُفرض على التجار
تسجيل ملكيتهم إلا بتوقيع عائلة واحدة، ولو كانت
من أبناء الزمان السابق."
التجارة استؤنفت. لكن شيئًا تغير. لم تعد الأموال
تُحسب بقيمة، بل بقدر ما يُحمَل من صمت.
وهنا، في لحظةٍ لا تُسمع فيها أصوات، وقف الرجل وح
يدًا على سطح منزله الجديد، ينظر إلى الحفرة التي
بُني عليها، حيث دفن والده. لم يُبتسم. لم يُبكِ.
فقط تنهّد، ووضع يده على صدره، كأنه يتأكد من أن ق
لبه ما زال ينبض، رغم كل ما سُحب من داخله.


