في عام 1938، سقطت طيور الجَرْد من السماء فوق قري
ة السُّبُع، وانكسرت رؤوسها على حجارة المكان. لم
يكن ذلك علامةً ميتة، بل بدءًا لحُلمٍ جديد: بدأت
الأرض تُفرز زيتًا أسود كأنها تُنفث دمها.
السُّبُع التي كانت تُعدّ من أضيق القرى في نجد، ص
ارت الآن تحتضن فرقًا من المهندسين الأجانب، والسي
ارات الثقيلة، وصواريخ البناء. كلّ شيء انتقل من ا
لقِرب إلى العَمَل: الشّجرة المُحاطة بالرّياح أصب
حت مُستودعًا للغاز، والبركة التي كان يُروى منها
الحُبّ تحوّلت إلى حفرةٍ عملاقة تُشعل النار فيها
ليلاً.
أمه، أمّ عبد الكريم، لم تغادر مقامها عند باب الب
يوت. جلست في ظلّ نخلة قديمة، تُمسك بقماشها القَط
َّاني، تُهذّب خيوطها كما لو أنّها تُنسج يومًا لا
يأتي. لكنّها ابتسمت عندما سمعت صوتًا يتقدّم من
بعيد: خطوات طفلٍ مُتعب، أقدامه تُثرثر في الرّمال
.
كان ابنها قد اختفى قبل سبع سنوات، في حملة استطلا
عٍ لربط المواصلات بين المدينة والجبال. قالوا إنّ
ه غرق في شطّ النّعمان، أو تمّ أخذُه من قبل قبيلة
ٍ متمردة. لكنّه عاد — بلا ملابس، بلا ذكرى، فقط ب
عينين تنظران إلى الأمّ وكأنّها أولّ مرّة يراها.
دخل إلى البيت، لا يتحدث، لا ينحني، لا يُسلّم. فق
ط أخذ قميصه القديم من مخدّة الأم، وارتدّه. حين ا
رتدى القماش، انتفخت صدره، ثمّ انحنى نحو الأرض، و
هو يُخبي وجهه. لم تُقلّ له أمّه شيئًا. أخذت الما
ء، وسكبته في وعاءٍ من الطين، ثمّ وضعته أمامه.
في الليل، جاءت فرق العمل لاستدعاء المُنقذين. قال
وا إنّ الطريق إلى الحقول قد اندفع، وإنّ الخطر يه
دّد الكبار. ولكنّ أبيد، ابنها، لم يُردّ. فقط أخذ
المفتاح من تحت البلاطة، وفتح حفرةً كانت مُخبأة
منذ الحرب الكبرى، وخرج منها خرائطٌ مكتوبة بخطّ ع
ربيّ، ومحفظةً مُغلقة بحمالةٍ من جلد.
أثناء تفحّصها، ظهر خطّ بخطّ أزرق: "من يأخذ الزيت
دون إذن، يُفقد سلامه".
الأم أغلقت المحفظة. أخذت قميص ابنها، ووضعته على
سريره. وقالت بصوتٍ هادئ: "العرض ليس ما يُرى، بل
ما يُحتمل".
في الصباح، حضرت سيارة كبيرة من الرياض، تحمل شعار
ًا غير معروف. لم يُدخل أحد. وحسبما وصلت الأنباء،
توقفت الحافلة عند حافة القرية، ثمّ رُفعت عندها
مِسْكَةٌ من الرّمل، ثمّ انطفأت النّار.
القرية عادت إلى صمتها، لكنّ عيون الناس بدأت تبحث
عن شيءٍ آخر: لماذا لم يُصبِر عبد الكريم على اله
روب؟ ولماذا لم يُخرج من الحفرة شيئًا سوى حُلمٍ م
كسور؟
لكنّ الأم بقيت جالسة تحت النّخلة، تُمسك بقماشها،
وتُهذّب خيوطها.
وكلّ ليلة، تضع قميصه على السرير.
وكلّ صباح، يبقى ملقىً هناك.


