القرية تنام تحت صمتٍ يشبه الرمال، لا يسمع فيها س
وى صوت النخلة المكسورة برياح الجنوب. منتصف القرن
العشرين، لكن العالم قد تغير: النفط لم يُغمر الأ
راضي فقط، بل غيّر كيان الصلاة والمنزل. ما كان يُ
قال في الدور الآن يُكتب على جدران الحفر.
الشاعر المفلق، ذو الشعر الأبيض المتثاقب، يُصلّي
على رأس حفرة جديدة، وحده مع طيور الليل. لا يملك
فنجانًا، ولا سيفًا، ولا اسمًا سوى "الذي يُنشد قب
ل الفجر". يُهدي القصائد للناس، لكنهم لا يسمعونها
— يأخذونها كأنها أرض، ويُحولونها إلى ميراث.
في اليوم الثالث، تبدأ الأمطار في الهرب من السماء
. المياه لا تسقط، بل تتدفق من الشقوق في الأرض، ل
كنها ليست ماءً. هي دمٌ أحمر كأنه خلط بين الدم وا
لتراب. الناس يهرعون إلى الوحل، يشربون، يغتسلون،
ثم يموتون ببطء، عيونهم تنتفخ من الداخل.
الشاعر يمسك بقلم من عظم الغزال، وينسج قصيدة من ه
مسات الجن. كل كلمة تُعدّ علامة. يُسمّي المدينة "
التي لا تُرى إلا بعينٍ مفقودة"، ويُردّد: &q
uot;ما است
طاع الله أن يُخفيه، لم يُرِدْ أن يُظهره".
عند الشروق، تُوقف النار في جميع البيوت. لا تُقدّ
م صلاة، لا تمدّ أيدي. كل شيء يعلق. من بعد التاسع
ة، تختفي الشمس. لا ضوء، لا ظل. فقط صوت أقدامٍ تم
شي على الرمال، وراء كل منزل، من داخل البطن.
الشاعر يقف عند باب مسجد قديم، يُمسك بالقرآن، ويُ
قرأ: "وَإِذَا قُلْتُمْ أَرَى الْعَيْنَ فَالْعَيْ
نُ تَرَى الْكَفَّ". يُنثر حبّة ذرة في الفم، ثم ي
ُبتلعها. لا يخرج منها صوت، لكن كل من حوله يبدأ ب
البكاء بصمت.
العين تُغلق.
الدم يتوقف.
الريح تعود إلى مسارها.
القرية تُعيد افتتاح بابها.
لكن الجميع يعرف أنهم لم يعودوا نفس الناس.
الشاعر اختفى.
لكن الكل يعرف أنه ما زال يُغنّي.


