في قصر رأس الخيمة المهجور، حيث صمت الرمال يُسمع
أثر خطواته، وقف خالد على حافة بئرٍ جفّت منذ عشري
ن عامًا. كان موظفًا حكوميًا في وزارة الشؤون الدا
خلية، من الطبقة المتوسطة، يُعَدّ من أكثر من يُحت
رم في القيادة الإدارية. لم يكن ثريًا، لكنه كان د
قيقًا: كل يوم يُسجل ملاحظات الحدود القبلية، يُصو
ّر تحركات القبائل، ويُرسل تقارير لا تخلو من طمأن
ينة.
لكن في العام 1450هـ (1932م)، بعد إعلان المملكة،
وقعت صفقة سرية بينه وبين شيخ من قبيلة النعيم. كا
نت بسيطة: تزويد البادية بكرات حديد لبناء مساكن،
مقابل تجنب التحقيق في نقل مياه من منطقة الجفر إل
ى الجنوب دون إذن. لم تكن هناك مخاطرة كبيرة – فقط
تمرير شحنات عبر طريق غير مُسجّل. لكن النظام الج
ديد بدأ يُغيّر العالم: اعتماد السجلات الإلكتروني
ة في أول مرة، والربط بين المناطق، وتتبع الحركة ع
بر الطائرات المسيرة الأولى.
الصفقة لم تُكتشف فورًا، لكنها بدأت تُسبب تموجات.
نهر جفّ فجأة في قرية السعد، عطش الأطفال. أحد ال
حراس شاهد خلفية شاحنة حديدية مغطاة بالسحين، وتم
ضبطه في المحكمة. وجدت وثائق تُشير إلى خالد. لم ي
ُقال له شيئًا مباشرة، لكنه شعر أن الأضواء في الم
كتب قد أصبحت أكثر قسوة.
في الليلة التي أعقبت استقالة ثلاثة موظفين من إدا
رة الحدود، اصطحب خالد حقيبته الصغيرة إلى الكهف ا
لذي كان يُستخدم قديمًا كمقبرة مدنية. وصلت إليه ر
سالة من عمه: "ما دام الوعد سُمع، فالندم لن يُخفى
". أدرك حينها أن النظام الجديد لم يعد يُعتمد على
التوازن القبلي، بل على السجلات التي لا تُنسى. و
كل خطأ يُوثّق.
أعاد كتابة تقريره النهائي. أضاف تفاصيل جديدة: اس
م الشيخ، تاريخ الشحن، عدد الحيوانات التي انقطعت
عنها المياه. وضعه في مربع التسليم، ثم أغلق الباب
. لم يرجع إلى العمل.
في اليوم التالي، ظهر تقرير رسمي في الصحيفة الحكو
مية: "إعادة تقييم شامل للخدمات الحدودية&quo
t;، مع ذكر
اسمه ضمن قائمة الموظفين الذين ساهموا في "التحدي
ث الأخلاقي للمهنة". لم يُمسّ به. لم يُجرّم. لكنه
اختفى.
الذين يعرفونه يقولون الآن إنك ترى روحه في مدخل أ
ي مبنى حكومي يُبنى اليوم – يحمل حقيبة صغيرة، يمش
ي ببطء، وكأنه يُنهي ما بدأه قبل عشرين عامًا.
الندم لم يكن خيارًا. كان عقوبة. والتوبة؟ هي أن ت
ُترك بصمة لا تُمحى.


