الساعة العاشرة صباحًا، نَشَطَ التماسُ في صحراء ا

لنُّفْعَة: دفعاتٌ من الماء المُستخرَج من آبار مُ

حَوَّلة إلى جُزُرٍ صغيرة على شكل طُيور مُصغَّرة،

تُهَرب عبر الحدود براً. لم تعد الصحراء مكانًا ل

لإبل فقط، بل وسيلةً لنقل القيم المُختَزلة في كُت

لٍ معدنية خفيفة، مُعلَّقة بأطراف أجنحة حديدية. ه

ذا هو عصر التأسيس: العالم الجديد، حيث تُحوَّل ال

أرض إلى سلعة، والماء إلى رمز.

في قرية آل عُمير، كانت "نورة" تحفظ صمت

ها كتحصين،

تُدار فيها كل صفقة تجارية عبر سجلٍ مكتوب بخطٍ ض

يق، يُخزَن في صندوقٍ خشبيٍ داخل غرفةٍ لا تُفتح إ

لا في الشهور القمرية. صدرها يُحسّ بالضغط كلما اق

تربت من باب الجوار، لأن كل لحظة تمر دون أن تُسمِ

ّي اسمها أمام السادة الذين يوزعون الرقابة على ال

سلع.

الصفقة بدأت بطلبٍ من جماعةٍ من رجال الطائف: استب

دال عشرة ملايين متر مكعب من المياه المُعالجة بثل

اثة أطنان من الذهب الأبيض، مقابل إسقاط تهمة تجاو

ز حدود الاستخراج. لم يكن ذلك مجرد تبادل، بل اختب

ارٌ للهوية: هل يمكن للمرأة أن تكون حارسًا أمينًا

في زمنٍ لا يعترف بالمرأة كمسؤول؟

حين وصلت نورة إلى السوق، وجدت الزيارات ممنوعة بع

د العاشرة، والسفر بدون إذن رسمي ممنوع، لكن الإذن

كان يُعطى فقط لأبناء البيوت التي تملك تاريخًا ف

ي التنظيم. فقررت أن تدخل عبر بوابةٍ غير مُسجَّلة

— تلك التي تُستخدم لنقل التماثيل القديمة من دير

جدتها في المروة.

الصمت انتُزِع من نورة عندما دخلت الغرفة الخلفية،

ووجدت ماءً مُختزنًا في قِدرٍ حجري، مُرسوم عليه

شعارٌ: «النُّفْعَة – 1943». التماسها كان مُحتَمَ

لًا، لكنه لم يكن مجرد تماسٍ للسلع، بل تعميقٌ في

جذور الهوية: هذه المياه كانت أول ما خرج من باطن

الأرض عند توحيدها، ومصدرُ الثقة في قلب الدولة ال

جديدة.

فجّرَت المواجهة: وقف الرجل الذي يُقدِّم الصفقة،

قائلًا بابتسامة مُزدوجة: «هل تعرفين ماذا يعني أن

تُمسكِي بماءٍ لا يُباع؟» ثم أغلق الباب.

لم يقل شيئًا آخر.

لكن نورة، حين خرجت من الجناح، وجدت السجل المُخزَ

ّن في الصندوق قد اختفى. بدلًا منه، وُضعَ قطعةٌ م

ن الكيس الأحمر، عليها ختمٌ قديم: «ليست أرضًا، بل

ميراثٌ».

صمتها لم يعد صمتًا. أصبح وثيقة.

الصفقة انتهت.

الهوية لم تُباع.

ولكنها لم تُؤخذ.

صُمِّت الطرق، لكن الصوت بدأ يُسمع.