يُقِيمُ عَبْدُ الرَّحْمَنُ في عام 1953 بيتًا من
الطين في ضواحي الرياض، حيث تُؤَسِّسُ عائلته على
وحدة القبيلة، لكن العصر الجديد يأتي بقانونٍ جديد
: كل من يُسْجِلُ اسمه في السجل التجاري يجب أن يُ
خَلِّصَ جزءًا من ملكيته للدولة عبر «تبرعات البنا
ء» — قانونٌ أُدخلَ بعد اكتشاف النفط، فصار التاجر
يُسَوِّقُ لمساكنٍ بدون حقّ التملك.
تُقْبِلُ أمهُ مُحْسِنَةُ على طريقة الأجداد: تُحَ
ضِّرُ الحليب في قربةٍ من الجلد، وتُذَوِّقُها لأب
ناء الجيران، ولكن عندما يُغَيِّرُ النظامُ خريطة
الملكية، تُحَوِّلُ مِلْكَها بالكامل إلى صندوقٍ م
ُرَقَّمٍ باسم ابنها، ليس كمنحة، بل كمُدَّخرٍ ضَم
َانٍ ضدَّ الشَّكَّ.
في 1961، يُسْجَلُ عَبْدُ الرَّحْمَنُ أولَ تاجرٍ
من القبيلة يُشْتَرِيُ مصنعًا لتصنيع الفحم، لكنه
يُصادَرُ قبل تسليم الشهادة بسبب «مخالفة الإشراف
المحلي» — حُكمٌ استُخدمَ كوسيلةٍ لتأخير التوسعة.
يُقَدِّمُ أمَّهُ المُحْسِنَةُ قُرْبَةً واحدةً م
ن الحليب إلى المُسْتَشْفَى العام، تُقدَّمُ كـ«هد
ية شعبية»، لكنها تُحَوَّلُ إلى دليلٍ في محضرٍ رس
مي: ذُكِرَ اسمها في ملفٍّ مُسْتَقَلٍّ عن الخطة ا
لاقتصادية.
في 1964، تُفْتَحُ مدارس جديدة في العاصمة، لكن ال
تعليم يُشترَطُ فيه تَبْيِينُ الهوية القومية — كل
طفلٍ يجب أن يُذَكِّرَ بمكان ولادته، ومكان والده
، واسم الجدة التي دفنت في الضيعة. أمُّ عَبْدِ ال
رَّحْمَنَ تُذَكِّرُ بِما لم يُسْجَلْ: «ولدت في ش
بر بناحِيَةٍ لم تُسَجَّلْ». فتُحَدِّدُ الدولةُ ب
عدها أنها «غير مُسَجَّلة»، ويُرفضُ تَقْديمُ طلبٍ
لإعادة تسجيلها.
يُوَفِّقُ عَبْدُ الرَّحْمَنُ على إقامة مصنعٍ لتص
نيع الغاز، لكنه يُخَيِّلُ له أنَّ أمهُ كانت تعرف
ُ السرَّ منذ البداية: كل ما يُسْجَلُ في المدينة
يُسْجَلُ أيضًا في «سجلٍ سريٍّ»، يُحتَفَظُ به في
بيتٍ حُجَّرٍ، ولا يُفتحُ إلا عند موت أحدِ الأسرة
.
في ليلةٍ من ليالي 1967، يُطْلِقُ المصنعُ دخانًا
أسودَ يُغَطِّي سماءَ الرياض، ويُحَدِّدُ الجيشُ أ
نَّهُ مصدرُ تلوثٍ مُحَرَّمٍ. يُحَدَّدُ عَبْدُ ال
رَّحْمَنُ كمُسْتَهْلِكٍ غير مرخصٍ، ويُجْلَدُ أما
مَ جمعٍ من العمال، لكنه لا يُقَلِّدُ، بل يُقَدِّ
مُ مُحْسِنَةَ في الظلِّ بِهَدِيَّةٍ: عُصْفُورٌ م
ن قفصٍ نُقِشَ عليه اسمها، كما فعلت في طفولتها.
أُقْفِزَتِ المدرسةُ من الداخل، فانكَسَرَ المبنى،
وتمَّ تَسْمِيعُ أصواتٍ من تحتِ الأرض. عُثِرَ عل
ى جثةٍ تَحْتَ المُحَدَّدَاتِ، ومعها حقيبةٌ فيها
وثائقُ لثلاثةِ عقودٍ من التسجيلات، وصورةٌ لامرأة
ٍ تُسَمَّى "محسنة" ضمن قائمة "الأ
شخاص الذين لم ي
ُسْجَلْ لهم تاريخ".
تُقْرَرُ في اليوم التالي: جميع المُشْتَرَكِينَ ف
ي المشاريع الحُكومية يُعْتَبَرُونَ مُسْتَرَتِينَ
في «الذاكرة الوطنية»، حتى لو لم يُسَجَّلْ شيءٌ
عنهم.
يُوَفِّقُ عَبْدُ الرَّحْمَنُ على إنشاء دارٍ لجمع
ِ الذكريات، يُسمَّى «دار نسائي»، لا يُفْتَحُ إلا
لنساءٍ مُسَجَّلَاتٍ، ويُحْتَفَظُ فيه بقُرَبٍ من
الحليب، وقُرَى من طينٍ، وكتبٍ لم تُكْتَبْ.
ويُعَدُّ هذا المشهد نهايةً: لا تُسْجَلُ الذاكرةُ
بأرقامٍ، بل بآلامٍ لا تُطْلَقُ.


