في ليلة لم يُكتب لها أن تضيء شمسها، انكسرت دفعة

التراب عند سفح جبل طويق. خرجت الأم من كنفها بعد

أن أغلقت باب البيوت التي كانت تُحصِّنها منذ عشر

سنوات — فجأة، لم تعد هناك بيوت.

الذاكرة كانت الآن خريطة ممنوعة: كل سطح كان يُستخ

دَم لترميز العهد الجديد. قبل 1952، كان الاسم يُك

تَب على الرمال، والآن تُمحى الصور من الألواح، وت

ُحذف الأسماء من الجداول.

الصراع القبلي لم يعد مجرد عداء بين عشائر — بل نظ

امًا جديدًا يُقسّم الأرض حسب "التوثيق"

: من يملك

السجل، يملك البقاء.

الأم المضحية رفعت ابنتها فوق ظهرها في ليلة صيفية

من دون نجوم، لأن النظام الجديد أزالها من الخريط

ة. بدأت الهجرة السرية: طريق مخفية عبر صحراء الجُ

فْر، حيث لا تتبع السكك، ولا تُسجّل الحركة.

لكن حُكمًا واحدًا قُسِّم على النّساء: لا يُسمَح

لهن بالسفر دون إذن من وليّ أمر، ولو كان ذلك وليً

ّا ميتًا.

في عمق الليل، وقفوا عند مصبّ ماء قديم. أخذت الأم

تغسل وجه ابنتها بقرص من قماش ممزوق، ثم تجمّدت.

لم تكن تُفكّر في الوجه، بل في الإحساس: هل يُمكن

أن تُصبح ذكرى؟

في اليوم التالي، وُجدت قبعة من الحرير في طرف الص

حراء — ليست من مُعدّات المسافرين، بل من نسائيّات

حُرّاس الطوائف.

الهجرة السرية لم تنتهِ عند الحدود. لقد بدأ السّؤ

ال: هل تُعتبر المرأة هاربة إذا سارت بقلبٍ يبحث ع

ن مستقبل؟

الشّفق تحوّل إلى رفض: لم تُرك الفرصة لأحد أن يسأ

ل.

اليوم الثالث، ضاعت البُنية: كانت الشّمس لا تُنير

، بل تُحصي الزمن.

أميّت، وصلت إلى مدينة خارج الخريطة. المدينة التي

تُبنَى من آثار مَن اختفى.

ولم تُقل شيئًا. فقط دفنت في الرمل كيسًا صغيرًا:

فيه ورقة بها اسمها، واسم ابنتها، وساعة مكسورة.

لا تُستخدم.

لكنها كانت معدّة.

وكان هذا الكيس هو الدليل الوحيد الذي سيُفَتَّش ع

نه في يومٍ قادم.