الشمس لم تشرق من جديد على مكة منذ ثلاث سنوات. ال
طقس انكسر: الهواء كثيف بالغبار، والأرض مزروعة بج
دران معدنية من نفايات المدن القديمة. النور يُحسب
كالوقود، والموارد تنضب قبل أن تُستهلك.
في مركز توزيع الإشعاعات بالرياض، وقف عبد الله يُ
دقّ كل يوم على جهاز الحسابات المتقادم. عمله: تحو
يل الأرقام إلى أسماء مسجلة في قائمة الحجاج المقب
ولين. اثنين فقط من كل ألف يُسمح لهم بالذهاب. لا
سفر، لا تأشيرة، لا طلب. مجرد إدخال اسم ورقم.
لكن النظام كان له قانونان خفيان: الأول، لا يمكن
لأحد أن يُدخل اسمه إلا إذا كان قد سبق له التسجيل
في سجل "الصائمين" منذ العاشرة من عمره.
الثاني،
أي من يُظهر دليلاً على الاتصال بالمكان المقدس —
حتى لو شهادة من قائد ميداني — يُعتبر مُفسدًا للن
ظام، ويُرسل مباشرةً إلى منطقة العزل في الجبال.
في ليلة كانت مثل كل الليالي، فتح عبد الله ملفًا
مخفيًا ضمن النظام. اسمه كان مدرجًا. ليس كحاجٍ، ب
ل كـ"مندوب أمانة". سبب التسجيل: مات وا
لده عام 19
58، وهو ابن الثالثة، في حادث أرضي أثناء تنقله بي
ن القبائل لنقل رسالة. لم تُسجّل تلك الرحلة في ال
سجلات، لكن نظام ما بعد الكارثة احتفظ بـ"الاسم ال
مُرَقّم".
ما أن قرأ ذلك، ابتسم. ضحك بصمت. ثم أغلق الجهاز،
وخلع ثوبه الرسمي، وأخذ محفظته التي تحتوي على وثي
قة من 1963: شهادة اكتمال دراسة في "العلوم الإدار
ية" من جامعة الملك سعود. غير مصدقة. لكنها تُعدّ
دليلاً على أنه "أصله موثق".
انطلق في الليل، عبر طريق الظل — خطوط الكهرباء ال
منخفضة التي تُستخدم الآن لربط محطات الطاقة المتن
قلة. مرّ بقرية حجرية، تقطنها عائلة من نجد، نصفهم
يرتدون أدوات حديثة مصنوعة من هياكل سيارات قديمة
. وجدوا من يساعدهم: نبيذ من زيت النخيل، وقصة عن
"الحاجّ المختفي" الذي اختفى في الجبل ا
لشمالي قبل
سبع سنوات.
وصل إلى مكة في اليوم الرابع. الأرض هنا لم تعد تُ
شبه شيئًا. المسجد الحرام مشوّه: جدرانه مُغطاة بط
بقة من الزجاج المُتشقّق، وعليها آثار حفر ناتجة ع
ن محاولات دخولٍ غير مصرّح بها. لكن المكان لا يزا
ل يصدر صوتًا — رنة صامتة تُسمع في القلب.
لم يكن هناك طقوس. لا تلبس، لا تكرار، لا موكب. فق
ط أشخاص يتجمعون حول دائرة حجرية، يضعون يدهم على
الرأس، ويقولون كلمة واحدة: "أنا هنا".
عبد الله، في صف آخر، نظر إلى السماء. لم يرَ الكع
بة. لكنه شعر بوجودها.
عاد إلى الرياض. عُرف بأنه "الموظف الذي لم يُسلم
الوثائق". أُصيب بالحرمان من الترقيات. أُوقف عن ا
لعمل.
لكن في الشهر التالي، بدأت تسريبات: عشرات من المو
ظفين في المراكز الحكومية يُقدّمون طلبات للتسجيل
كـ"مندوبين أمانة"، مع شهادات دراسة قدي
مة، وتواري
خ ولادة متطابقة.
النظام تغير. لم يُعلن. لكن الناس بدؤوا يسافرون.


