الحافلة تتحرك عبر الصحراء من نجد إلى مكة، محملة
بخيمة من ورق الـ"مازور" وتوزيع أموال ز
كاة عقدت ل
صالح "الهيئة الوطنية للحج". لكن النقطة
غير الرسم
ية: كل رحلة حج تُحسب على أنها جزء من نظام داخلي
يُسجّل انتصارات القبائل.
الشاعر المفلق، ذو الشعر الطويل المُغطى بالغبار،
يحمل كتابًا قديمًا من طباعة 1958 — لا يقرأه، فقط
يمسك به. في يوم السعالي، أُعطي له رقم بطاقة حج
مُمنوح من قبل "لجنة التخصيص"، لكنه لم
يُدرِّسْها
؛ بل تلقى ضربًا في الخد لأنه لم يُقدم وثيقة "الو
صمة الاجتماعية" المعتمدة من مجلس العشائر.
الوَصمة كانت نتيجة اتهام بسرقة جرة خمر من صبيٍّ
قُتل في عرس، تُعتبر جريمةً مُعادية للدين في المن
طقة، رغم أن الجريمة لم تُثبت. الآن، أي فرد يُنسب
إليه هذا التهمة لا يُسمح له بالاقتراب من مسجد أ
و مدرسة أو حتى تناول الطعام مع أحد.
في ليلة مطرية، بينما تحولت الحافلة إلى حفرة مائي
ة، انطفأت الأضواء. وقف الشاعر أمام المركبة، وأخر
ج الكتاب. لم يكن يقرأ، فقط مرّر يده على غلافه. ث
م ابتسم — لأول مرة منذ عشر سنوات.
أثناء ذلك، حدث شيء غريب: بدأت الكلمات داخل الكتا
ب تتغير. ليس بالحبر، بل بالصوت. كلامٌ يهمس من ال
صفحات، لا يشبه لغته، ولا لغة القبيلة. نصٌّ يتحدث
عن جنّة لا تُبنى بأي دين، بل بذكر واحد: "لا أري
د أن أكون مشهورًا".
الحافلة توقفت. الجميع نظرت نحوه. لم يقل شيئًا. ل
كنه أخذ الكتاب ووضعه في منتصف مربع الرمال.
فجأة، أُرسلت إشارة من مكة. تم إلغاء بطاقة حجه. ل
كن لا أحد يعرف لماذا.
الغد جاء. المطر انتهى. الحافلة استأنفت السير.
لكن الشاعر لم يعود.
الكتب التي وُجدت في حقيبته بعد ذلك، كلها فارغة.
إلا واحدة.
كتابٌ جديد.
مقسومًا على جزئين:
أولهما: "كل من يدخل الجنة من دون وسامة، سيُطلب م
نه التوبة."
والثاني: "ما يُقال في الصمت، يُسجل في السما
ء."


