تُقفل أبواب مدرسة القاسم في الرياض عند الغروب، ف

تمسك الرياح المعلقة ببقايا التراب من شارع المطار

. عاد جابر من البادية، حافي القدمين في خفافيش ال

صبح، يحمل وثيقة تخرج من مدرسة لا تُقبل في عيون ا

لمدينة. الحدث: كل وظيفة يُتقدم إليها تُرفض بسخري

ة مكتوبة بعبارات مثل "منطقة غير موثوقة&quot

; — هذه هي

الوصمة الاجتماعية التي لُصقت به منذ مقتل أخوه ف

ي حادث صوفي قبل عشر سنوات.

الرحلة من البادية إلى العاصمة لم تكن مغامرة، بل

محنة إقامة: كان يجب عليه أن يعيش تحت اسم جديد، ي

ُنكر أصله، ويُحذف منه كل ما يُذكر به. لكنه اضطر

للعودة إلى مدرسته القديمة، حيث تُختزل قيمته في م

كانته بين الطلاب. هنا، بدأت تُطبَّق قاعدة جديدة:

لا يُسمح لأحد أن يدخل الصفوف دون شهادة طبية من

وزارة الصحة تثبت عدم وجود "وصمة نفسية"

، وهي قاعد

ة لم تُكتب في أي دستور، لكنها أصبحت قانوناً يومي

اً في البيئة التعليمية.

في أحد الأيام، نُقلت ملاحظات عن حركة مريبة في مك

تب التسجيل. تبين أن ملفات الطالب السابق قد تم حر

قها بالكامل، وترك مكانها رسالة مخطوطة على ورقة م

مزقة: "لقد تجاوزت السقف، الآن ادفع ثمن ذلك&

quot;. اكت

شف جابر أن الخصم الحسود ليس شخصاً، بل مجموعة من

أولياء الأمور الذين كانوا يُعدونهم من "الأن

قياء"

في زمن النفط الأول. لقد كانت الجائزة الكبرى الت

ي تُمنح سنوياً في المدرسة — شهادة ذهبية للتفوق —

مُخصصّة فقط لمن لم يُعرف عنه "بقايا من البا

دية"

.

أثناء تحضيره لامتحان نهائي، وجد جابر في زاوية غر

فة تخزين وثيقة قديمة: صورة لطفل يحمل رأساً مقطوع

اً، ومكتوب عليها بحبر أسود: "هل تعتقد أنك آمن بع

د أن سكنت المدينة؟". تلك الصورة كانت من ذاكرة ال

ثمانينات، من حقبة بناء الدولة، حينما استُخدمت ال

مدارس كأداة لتصفية الأسر التي لم تُظهر ولاءً كام

لاً. وهو الآن يُعاد اختباره بنفس الوسيلة: انقطاع

الكهرباء، تعليق الرسائل، هروب الطلاب من الصف.

في اللحظة الأخيرة، وقف أمام مسرح التخرج، ورفع صو

تاً خشناً: "أنا لا أطلب المكانة. أنا أطلب ا

لحق".

لم يكن هناك خطاب، ولا صيحات، فقط صمت انتقامي. ث

م أغلق الملف الذي كان يحمل اسمه الجديد، وأعاده إ

لى الجيب، وانطلق نحو باب المدرسة بخطوات ثابتة.

لم يُحتفل به، ولم تُعلن نتائجه. لكن في اليوم الت

الي، تغيرت سياسة التوظيف: كل طالب يُقبل في المدر

سة يُطلب منه كتابة قصة شخصية قصيرة، لا تتجاوز ثل

اثين كلمة. واختفت الوصمة. وبقيت فقط بصمة الشكل:

طفل يسير في شارع ضيق، وراءه ظل طويل من الصحراء.