قرية الجُبَيْل، 1952. النعاس يُقَسِّمُ الصحراء،
لكن عُيون المُضطهَدة تتَوَقَّعُ بُكْرَةً أخرى. ر
جلٌ يُدعى فارس، من قبيلة التَّميم، يُسجَّلُ في ه
يئة التنظيم الوطني لاستخراج النفط كفنيٍ أول — خط
وةٌ تُقَلِّبُ حياتَه. لم يكن يريد شيئًا سوى أن ي
ُرَيِّسَ جَزءًا من سقفِ اقتراحاتِ الأهل، لكنَّ ا
لوظيفةَ أصبحت دُرَةً مُذَلَّلةً: يُطالَبُ بِحِفْ
ظِ السِّرّ، ويتلقَّى أوامرَ سرّيةً لا تُسمَعُ في
المجالس ولا تُكتبُ في الكتب.
السَّلَفُ لم يُصَوِّرْ له صورةً للعالم بعد اكتشا
ف النفط. الآن، كلُّ بُركةٍ ماءٍ تُدْرَسُ على الخ
ريطة، وكلُّ سَنَةٍ تُحدِّدُ من يَمُوتُ من الجَفا
ف، ومن يُعَيَّنُ في مكتبٍ بلديٍّ بِمُدَرَةٍ مُحْ
تَرَفِيَّةٍ. النظام الجديد لا يُعْتَبَرُ تطورًا،
بل كيانًا يُغَيِّرُ معنى العَيشِ: العَشيرةُ تُؤ
خذُ بالقوة، والعَقْدُ لا يُوجَدُ إلا بين الأقلام
.
أُنثى تُدعى لَيلَى، من أبناء البِلَدِ المُهجَّرِ
ينَ، تُنقَلُ إلى القَريةِ كمُعلِّمةٍ في مدرسةٍ ج
ديدةٍ. روحُها صافيةٌ كالنَّبعِ، لكنَّ حضورَها يُ
ربِكُ مُجتمعًا يُحِبُّ الخفاءَ. لا يُرى لها وجهٌ
في الصلاة، ولا يُسمَعُ صوتها في السوق. لكنَّ عي
نَها تُفَكِّكُ سِرَّ الرُّؤى.
الخصم الحسود، زُرَيْعَةُ بن سُليمان، ابنُ شيخٍ م
ُتَمَكِّنٍ، يُحسِّسُ أنَّ لَيلَى تُهدِّدُ موازين
َ القدْرِ. يُرسِلُ مُراقبينَ يتتبعونَ كلَّ خطوةٍ
. يُرسلُ رسائلَ مجهولةٍ تُذكِّرُ بِذِكْرِ الجِدِ
ّ: "الحبُّ في زمنِنا هو ثُلْثُ العُقُوبَة".
الظلمُ يَبتَلعُ الطَّرِيقَ: يُمنعُ فارسُ من تقدي
مِ عرضٍ لمشروعِ تنظيمِ المياه، رغمَ أنَّهُ كانَ
أولَ من وَجَدَ العُيُونَ في الصحراء. يُصْرَفُ دو
نَ إشعارٍ. يُمسَكُ بِمُحَوِّلِ البياناتِ التي تُ
بيِّنُ أخطاءَ ماليةٍ في استيرادِ الوقود. الكلُّ
يُنْكِرُ، لكنَّ النَّفْسَ تَعرفُ الحقيقةَ.
الليلةُ التي لا يُحَدِّدُها أحدٌ: فارسُ يَطِيرُ
بسيارةٍ مُسْتَعارَةٍ عبرَ الصحراءِ، يحملُ ما يُك
ْفِيهِ من وثائقٍ، ويدخلُ إلى مستودعٍ مُهجَّرٍ قُ
بَيْلَ الفجر. لا يُفكِّرُ في الهروب. فقط في الإف
صاح. يُفرِغُ محتوياتِ الدفترِ على الجدارِ، ثم يُ
وقِفُ الشاشةَ عند آخرِ تسجيلٍ: "النفطُ ليس ملكَ
الأرض، بل مُسْتَوْرَدٌ لأهلِ التَّعَبِ".
الصمتُ يَختَلِقُ أصواتًا. الناسُ يَتَجمَّعونَ حو
لَ الجدارِ، يَقْرَأونَ، يُدْمِعونَ، يَتَخَلَّصُو
نَ من صمتِهم. زُرَيْعَةُ يُسْتَدْعى، يُطلبُ منهُ
التَّعْبِيرُ، لكنَّهُ يَنْصَبُ على قدميهِ ويَقُ
ولُ: "المحقُّ لا يُعادُ".
الصباحُ التالي: تُلغى لائحةُ الموظفينَ القديمة.
تُفتحُ بابُ المدرسةِ أمامَ النساءِ. يُنشَرُ اسمُ
فارسُ في جميعِ المدنِ الكبرى. لا يُذكرُ فيهِ اس
مُ لَيلَى. لكنَّ طفلةً تُضعُ كتابًا مُرسومًا على
بابِها: "الأمُ تُعلمُ في مكانٍ جديدٍ".
العالمُ لم يُعَدَّلْ من صَفْحَةٍ واحدةٍ. لكنَّهُ
تَغيَّرَ.
ما بقيَ من الماضي؟
صمتٌ مُسَكِّتٌ، ولَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ أيُّ ردٍّ.


