في عام 1954، وقف رجلٌ على حافة الشارع الرملي بقر
ية المزروع، يُمسك بحقيبة جلدية ممزقة من دخانٍ لا
يُرى إلا من بعيد. لم يكن يعلم أن خلفه انتهى عصر
ٌ كان يُسمى "الوحدة"، وبدأت دولةٌ جديد
ة تُبنى عل
ى رفوفٍ من ذكرياتٍ مُختزلة.
السياج الحجري حول القصر الذي كان يُعدّ بيتاً للن
خبة التأسيسية قد انتشرت كأنها جسدٌ نامٌ، لكن الص
مت داخله لم ينتهِ. كلما تقدمت الشمس، زادت حدة هم
سات الفقراء حول العائلة التي اشترطت أن تُدفن الذ
كريات تحت طبقات من الطين والغبار.
التجّار الذين كانوا يتحركون بين الوادي والمنطقة
الجنوبية قبل النفط، بدؤوا يفقدون قيمتهم بعد أن أ
صبحت الأراضي ملكاً للدولة. أحد هؤلاء، رجلٌ اسمه
عثمان، كان يحمل في جيبه وثيقةً مُحرَّفةً من وزار
ة المالية – بطاقة تسجيل لمزرعة ضائعة، تعود لوالد
ه، وتحوي اسمًا ليس له. لم يُعرف كيف انتقلت هذه ا
لبطاقة من حوزة قبيلة حجازية إلى كيسٍ صغير من الج
لد، لكنها كانت كافية لتُطلق سلسلة من الحوارات ال
ممنوعة.
في ليلةٍ من ليالي العيد، دخل عثمان إلى مكتب الخز
انة في الرياض، حيث تُجمّع السجلات القديمة. اكتشف
أن مكتبه السابق كان مُدرجًا باسم آخر. ذلك اليوم
، توقفت ساعة الكهرباء في قاعة التوثيق، وازدادت د
رجة الحرارة حتى بدأت الأوراق تذوب. لم يكن هناك ن
بي، ولا جن، بل فقط قانونٌ غير مكتوب: من يُلمّ بم
لفٍ من الماضي، يُقطع منه الحق.
عاد عثمان إلى قريته، ووضع الوثيقة فوق طاولة الطع
ام. لم يقل شيئًا. لكن الأم، وهي تُفرغ الماء من إ
ناءٍ معدني، رفعت رأسها ونظرت إليه بنظرةٍ مُعلقة
في الزمن. ما كان يُقال يومًا عن "الشرف"
; أو "الان
تماء" قد اختفى، واستُبدلت بـ"الصمت".
في الغد، وُضع المكان الذي كان فيه المطبخ على قائ
مة "المواقع المؤقتة للتطوير"، وتم إغلا
ق المدرسة
القديمة التي كانت تُدرّس القراءة بالحروف العربية
البسيطة. الجميع علم أن السبب لم يكن التحديث، بل
لأن ما كان يُقال هناك قد صار خطيرًا.
في منتصف الليل، أُطفئت أضواء الحي. لم تكن مشكلة
كهرباء، بل تحولًا في الاتصال. من يدخل القصر الآن
، لا يُسمع صوتًا من الداخل. ومن يسأل عن أصل العا
ئلة، يُقال له: "لا نعرفهم".
الذاكرة لم تعد ملكًا للناس. أصبحت أداةً للتحكم.
والهوية، كما كانت، لم تعد تُولد من الأرض، بل من
الصمت.


