الصحراء تنقر بقطرات التراب على الحدود الجنوبية ل
منطقة الرياض، حيث تُمسك العشيرة ببيتٍ من الطين و
حبلٍ من الزيت القديم. جيلٌ من الرجال صاروا أحياء
ً في ظلال الشروق، والنساء يملأن الخزانات ببراميل
الرطب قبل الشروق. في مثل هذا اليوم، يُقدّم عبد
الله بن سليمان، المغوار الذي لم يُذكَر اسمه في أ
ي سجل، كلفة حرة من قبل الأستاذ الجامعي في حقل ال
نخيل: ابحث عن أخته ليلى التي اختفت بعد مغادرة قا
فلة للدمام عام 1942.
العالم لا يزال يعتمد على رحلات الأقدام، لكن خطوط
الخطط بدأت تُرسم على خريطة غير مطبوعة: البترول
قد خرج من باطن الأرض، وتمدّد نفوذ القوى من جنوب
الحدود. ومع كل يوم، تُخفّض الحواجز بين العشائر،
وتُفتح الأبواب على ضوء زيتٍ جديد، لكنها لا تفتح
سوى نُذرًا.
عبد الله يسير عبر السهول، يُردّد كلمات الجدّ: "ل
ا يُصلح الضوء إلا بقلبٍ لا يخشى الماء". عند وادي
الجَمّ، يجد أثر طفلة صغيرة، ومقعدٌ مُلقى تحت شج
رة صمّاخ، عليه ختمٌ محفور بحروف عربية مهجورة. يأ
خذها، ويكتشف أن الشكل نفسه هو نفس ما يُستخدم في
كراسات الإيمان في مدرسة القصر. يتبع الأثر إلى مق
برة سرية وراء الكثبان، حيث تُرى جثة معلّقة بسلّة
من قماش أبيض — ليس للموت، بل لتجميد الصمت.
القاعدة تُعلن أن من يحمل سجلًا أو أثرًا من العشا
ئر المنسيّة لا يُسمح له بالدخول إلى أي مركز تواص
ل، ولا يُسجّل في أي كتاب. لكن عبد الله يدخل، بدل
يله، ويُسمع صوتًا خافتًا من داخل أحد الخزانات: "
أنا هنا... لقد اخترتنا نحن".
بينما يُفكّك الحائط، يظهر أن الموقع كان مخبأً لع
شرات من الأطفال الذين اُختطفوا من القرى لتصحيح "
الهوية" في مشروع تمديد البنية التحتية. النظام ال
جديد لا يسأل عن الدم، بل عن الكلمة. أما الهوية —
فهي ليست مكتوبة، بل مُطحونة في طينٍ مُجهّزٍ.
يُحرر جميع الأطفال، لكنه لا يُمكنه إنقاذ أخته. ل
أنها لم تكن مختفية — بل اختارت أن تبقى، لتُصبح ج
زءًا من المشروع: تُعلّم الأطفال أنهم "من ال
أفضل"
، وأن الوالدين الحقيقيين هم الدولة.
الليل يُغلق بظلامٍ جديد، ويعود عبد الله إلى مكان
ه. يُقدم رسالة مكتوبة على قماش، تُرسل عبر جيش من
الصبية المُحررين. لا تذكر اسمه، ولا تعني شيئًا.
لكنها تُقال في كل منزل، وكل فتاة، وكل أخت: "نحن
لسنا ضياعًا. نحن صوتٌ من الصحراء".
النظام يُعيد تشكيل الخريطة، لكنه لا يُغير ما يُك
تب في قلوب الناس.


