الصحراء تشرب الماء قبل أن تمدّه. في عام 1943، قا
دت أميرة من قبيلة آل رشيد حملةً سرية لنقل شحنات
مياه من مكّة إلى الحدود الشمالية، فنفدت الأنهار،
وانكسرت التماسك بين القبائل. لم يكن ذلك سرًا، ب
ل واجبًا: الطريقة التي تحفظ بها الصحراء الزيادة.
في نفس العام، وُضع العهد الجديد: النفط يُستخرج م
ن تحت الرمال، والقرى تُحوّل إلى دواوير حديدية. ك
ل شيء بدأ يتغير — حتى طريقة النوم. الكبار يقولون
إن الصلاة تُسمع الآن من بعيد، لأن الجبال فقدت ص
وتها.
أميمة، حارسًا أمينًا من عشيرة الحلي، كانت تُسلّم
سجلات التوزيع اليومي للمساكن المائية. لكنها لم
تُدرِك أن خطابها الأخير كان بمثابة تعيينها كرئيس
ة للخدمة السرية في الشريط الجنوبي. لم يُقل لها ش
يئًا، لكنهم تخلّوا عن أعلامهم، وأرسلوا لها زهرة
جذعها مقطوع.
في ليلةٍ من ليالي الهزيم، ظهرت رسالة على شكل رسم
ة: سيف مكسور فوق خريطة تُظهر طريقًا يمتد من البا
دية إلى الرياض. هذا الطريق لم يكن مُدرجًا في الخ
رائط الرسمية. من يمشي فيه يُفقد ذاكرته، ويُبتلعه
السكون.
انطلقت أميمة في الغروب. لم تُحدِّث أحدًا. ارتاحت
على حبل من خيوط الحرير، وعبرت الممرّ القديم الذ
ي اختفى منذ عشرين عامًا. بعد ثلاث ليالٍ، وصلت إل
ى مبنى صغير من الحجر، فيه جدران لا تُرَى من الخا
رج. داخله، أشعلت نارًا قديمة. لم تُضيء، لكنها أل
همت سطراً من الكتابة على الحائط: "من جاء بالمكان
، فقد ضاع".
عادت قبل الفجر. في عرس ابن عمها، حيث تم ترتيب زو
اج تقليدي مع شخصٍ لا يعرفه، وقف الجميع صامتين. ل
م يُطلب منها الكلام. فقط رُبطت خصلة شعرها بخيط أ
بيض، ووضعوا عليها قميصًا من خرق القماش القديم.
حين فتحت عينيها في الصباح، وجدت أن كل شيء تغيّر.
الأرض حولها أصبحت أرضًا جديدة. ولم تعد تعرف اسم
القبيلة التي ولدت فيها.
لكنها ابتسمت. لأنها فهمت: من يخرج من البادية، لا
يعود. بل يُصبح البادية.


