في عام 1948، بعد اكتشاف النفط الأولي في النقرة،
أصبحت مباني إدارة التحقيقات في الرياض معقلًا جدي
دًا للسلطة: نظام من الكتب الورقية، وعلامات التوق
يع على الجدران، وممرات مظلمة تُستخدم لتجريدة الأ
سرار. لم تعد القبائل تُحكم بالعرافة أو الحلف، بل
بالسجلات الدقيقة التي لا تُمسّ ولا تُستبدل.
سارة، ابنة شيخ قبيلة الرشيد، تُعين كمُراقبة أولى
في الجهاز الجديد — أول امرأة تتولى مثل هذا المن
صب في تاريخ المملكة. لم تُطلب من قبل أحد، لكنها
تم اختيارها بسبب صبرها، وانضباطها، وتكرار طلباته
ا الخجولة عند تقديم الشهادات.
في الشهر الرابع من خدمتها، وُجِدَت وثيقة سرية دا
خل مكتب مدير التحقيق: خطاب من الأخ الأكبر لها، ع
بد الله، يُعلن فيه تورطه في نقل معلومات عن موقع
احتياطي نفطي في الجبيل إلى جهة غير محددة. لا يوج
د اسم، لا توقيع مزيف، فقط عبارة "من يُرسل هذا، ي
ُحرق كل شيء".
القانون الجديد في هذه الفترة ينص على أن أي انتها
ك من عضو في عائلة مُحكمة يُعتبر خيانةً للأمانة ا
لوطنية. لا يُسمح بتقدير الذنب بناءً على النوايا.
إذا وُجد دليل، تُفصل العائلة من قائمة الأهل الش
رفاء، وتُنقل من السجلات الرسمية.
سارة تدخل غرفة التحقيق يوم الخميس. تُغلق الباب خ
لفها. تضع الوثيقة أمامها. تُدرك أن إرسالها سيُنه
ي علاقة أختها الباقية، وسيرفع رأسها إلى أعلى في
النظام الجديد. لكن إن لم ترسلها، فإنها ستكون شري
كة في التآمر.
تحسّس ظهر الوثيقة بسقف يدّها. ثم ترفعها ببطء. لا
تُصدر صوتًا. تُغادر المبنى في ساعة الظهيرة، وتأ
خذ طريقها إلى منزل والدها في حي الربوة.
في العاشرة مساءً، ضوء القمر يلمع على شريط من حجر
الجبس المُكسور في سقف منزلها. وهو الشريط الذي ك
ان مُؤذنًا بسقوط الجدار قبل 12 سنة، عندما أُحرقت
أختها الكبرى في حريقٍ مُفترض أن يكون حادثًا. ال
يوم، تُعيد سارة وضع نفس الشريط في مكانه. لا أحد
يراها. لا أحد يسمع.
بعد ثلاثة أيام، تُنشر قرار المحكمة: "تم إلغاء ال
عقد الاجتماعي مع العائلة، وإدراجها ضمن قائمة الا
ستبعاد المؤقت." لا ذكر لاسم عبد الله. لا ذكر لسا
رة. لكن جميع المراجعات الجديدة تُظهر أن السجلات
الخاصة بـ"الرشيد" قد اختفت تمامًا.
القلم الذي كانت تُمسكه في يدها أثناء التقديم، ان
كسر على الأرض. لم يُكتب عليه شيء. لكن الجميع يعر
ف أن الصمت كان هو الخطاب.


