تُطفئ الأم المضحية الشمعة الأخيرة في غرفة المعيش

ة بعد صلاة العشاء، وتمسح الأثر الأخير من وجه ابن

يها البالغ من العمر عشر سنوات — كان ينام على الس

جادة، لكنه لم يَعُد يتنفّس. التمويل الذاتي للبنا

ء الجديد في ضاحية الرياض قد اكتمل، والطريق إلى ا

لمستشفى فُتح بفضل عطاءها السري من أموالها التي خ

بّأتها من بيع قطعة نسيج من الجِلد المصنوع باليد.

الدولة بدأت تحول سجلات المُسجّلين من "أبناء الأس

رة" إلى "مواطني الدولة"؛ كل مواطن

يجب أن يُثبت و

جوده ببطاقة رقمية، ويُدخل بيانات عائلته في نظام

مركزي. كان هذا التغيير هو ما دفعها لاختيار البقا

ء في الدار القديمة بالقرب من السوق، رغم أن المدي

نة توسّعت حولها. كانت تعرف أن أحد أبناء عمومتها

قد تم إلغاء اسمه من السجل بسبب عدم تسجيله ضمن ال

منشأة الحكومية خلال فترة الإدخال.

في اليوم التالي، رفضت إدارة التعليم أن تُقَدّم ل

ها خطاب توصية لابنها للقبول في مدرسة خاصة، رغم أ

نها سددت الرسوم مسبقًا. جاءت الرسالة مكتوبة بخطٍ

ّ رسمي: "الطلب غير مقبول لأن سجل الطفل غير مُكمل

في النظام الوطني."

لكنها لم تُقل شيئًا. نظرت إلى طفلها في الحديقة ا

لخلفية، ووضعت يدها على رأسه وهو يلعب بكرة قماشية

ملوثة بالتراب. لم يكن يعرف أن ذلك الطفل، الذي ي

لعب دون أن يُسأل عن هويته، هو نفسه من يُمسك بأكب

ر قطعة من النفوذ في حياة أمه.

في الليلة التالية، تسلّلت إلى مكتب السجل المدني

في الصبح، وأغلقت جميع الأبواب، ثم وضعت طعامًا في

أرضية المكتب، ووضعت جزءًا من مسكّنها القديم — ل

وحة نسائية من القماش المطرز — على الطاولة. لم تُ

حدّث أحدًا. فقط استمرّت في الكتابة بقلمٍ من رصاص

ٍ أبيض على ورقة بيضاء: "اسم الطفل: فهد بن عبد ال

رحمن، من أسرة العُبَيْد، ولد في 1430ه، مسجل في ا

لمبنى 725 بالشارع الجنوبي".

قبل أن تغادر، أطفأت الضوء، وسمعت صوت جهاز التسجي

ل يبدأ. الجهاز الذي يُستخدم لتسجيل الوصول إلى ال

بيانات الشخصية.

في اليوم التالي، وُضع اسم الطفل في السجل الوطني،

مع ملاحظة: "تم إدخاله يدويًا عبر شهادة من الوال

دة. تمت الموافقة بحكم إمكانية التوثيق العائلي."

أمضت الأم المضحية أسبوعًا كاملًا في البيت، لا تخ

رج، لا تتحدث. عندما سألها الجيران إن كانت بخير،

ردت بابتسامة لا تصل إلى عينيها: "الحمد لله، كل ش

يء يسير كما ينبغي."

وفي مساء اليوم السابع، سقطت من فوق سريرها أثناء

ترتيب ملابس ابنها. لم تكن تُريد أن تُعلن أن كل ش

يء انتهى، لكنها علمت أن الأرض أصبحت ثقيلة، وأن ا

لجدار الذي بناه النفط لا يحمي من حزنٍ لا يُنطق.

الحب من طرف واحد لم يُظهر نفسه يومًا. لكنه كان ه

ناك، في كل رسالة لم تُرسل، في كل نظرة لم تُعبّر،

في كل خطوة لم تُُكتب.

الصمت الذي كسبه الحزن، كان أقوى من أي نفوذ.