تُسقِطُ السَّنةُ الحدودَ: بعد 1975، لم تعد الباد
ية مكانًا للهروب، بل مُخزَنًا للهويات المُحْتَفَ
ظة. الماءُ صار من فائض النفط، والشمسُ لا تُظلِّل
ُ إلا بُنيانًا حديثًا من خرسانةٍ مُكَوَّنة.
المسافر التائه — عبد الله — وصل في ساعة الصفر من
يوم الجمعة، رجلٌ بلا اسم على كرت العائلة، يحمل
فقط سلةً صغيرة من الشعير والقرآن. دخل المدينة من
باب "المنزلة"، حيث تُمَثّل جدرانها الن
قوشَ القد
يمة، لكن الأضواء الاصطناعية تُشرِقُ على أرقامٍ ج
ديدة.
في السوق الجديد، نظرت إليه المرأةُ من وراء الستا
رة: وجهٌ مشوّهٌ بالصبر، لكنه لم يَذُرْ مُنتَجاتٍ
حديثة. نظراتٌ انطفأت. لم يُسأَل عن هويته، لكن ك
لّ شيءٍ كان يقول: "أنت من الماضي، والماضي الآن ل
ا يُشترى".
القيمة الأصيلة تُختَبَرُ في الجدار: تُنقَلُ شجرة
ٌ من قرية "الجَمَّعة" إلى مبنى حكومي،
تُغطَّى بأ
علامٍ جديدة، وتُؤَدَّى فيها صلاةٌ لا يُعرف لها س
ابق. حين عُرضَتْ على لجنةٍ حكومية، قيل: "هذا لا
يُراعِي التخطيط العمراني". فُقدَتْ.
الطريقُ إلى القبلة الجديدة كان مُغلقًا. فجاءَ صب
اح اليوم التالي، ورفعَ مِئْذَنَةً من حجارة الباد
ية، ووضعَ عليها اسمًا غير مسجل. لم يُصَلِّ فيه أ
حد، لكن صوتَه ارتفع فوق الطوابير.
الحكمُ أُعلنَ: "من يبني دون تصريح، يُعادُ إلى ال
بداية".
لكن في اللحظة التي تُحرَقُ فيها المِئْذَنَةُ بسي
فٍ مُعدني، ظهرَ الطفلُ من بعيد: يحمل شمعةً من زي
تٍ نباتي، ويُوقِفُ المَرْكبَ المُدَوَّرَ.
الصمتُ امتدّ. ثم صَدَرَ من صدرِه صوتٌ: "هذا هو ا
لصوت الذي يعرفه القلب".
في نهاية المساء، لم يُبنَ المَسْجد، لكن المدينة
بدأت تُسمِّي بابَ الدخول باسم "باب عبد الله".
القيمة الأصيلة لم تُعاد، بل اختُبِرَتْ.
المسافر التائه لم يعد يبحث عن مكان، بل أصبح معنا
ه.
العالمُ لم يَتَغيَّرْ بحدثٍ واحد، لكنه تغيرَ بسك
ونٍ.


