أول نهارٍ في الرياض الجديدة، حيث ابتلع المطار ال
جبلَ وحوّل الصحراء إلى شبكةِ طرقٍ ذكيةٍ تُقاس بز
من الحدود القديمة. علامات التمدد تُفتك بالسياج ا
لبدوي: فنادقٌ شاهقة، ومطاراتٌ تُحمل أسماءً من ال
قرن الماضي، وكل ذلك يُغطي صمتًا داخليًا يُشبه ال
نسيان.
يُدخل أحمد الشيباني سيارته للمرة الثانية عشرة إل
ى مكتب الدراسات الوطنية – ليس لاستكمال وثيقة، بل
لوضع اسمه على "السجل الحضري" بعدما أُع
طيت له بط
اقة رقمية تُسقطه من سجل الأجداد. لم يُقل أحد شيئ
ًا، لكن النظام يُصرّ على أن من يُولد في المدينة
منذ 1987 لا يملك أصولًا قبلها. هذا القانون الجدي
د – لا يُعلن به، بل يُطبّق من خلال تلقائية الآلة
– قدّر كل شيء: السكن، التعليم، حتى الزواج.
في غرفة مُضاءة باللون الرمادي، يفتح ملفًا قديمًا
يحمل توقيعًا لا يمكنه تفسيره: "محمود بن سليمان،
نجران، 1945". تحته، جملة واحدة: "ليس ا
بنه". هُز
ّت مفاتيح العقدة التي كانت تربطه بـ"الأب&qu
ot; المُست
قر في الدور الثاني من الفناء. لم يكن هناك صراخ،
ولا شكوى. فقط صوت تذكرة الطائرة التي انطفأت عند
نقطة الخروج.
يومًا بعد يوم، يُظهر النظام بيانات جديدة: مؤشرات
ٌ تُشير إلى "عدم توثيق الهوية" في ثلاث
ين حالة مش
ابهة. كلها أبناءُ ضيّعوا أسماءهم في خطوة واحدة:
استقالة الوثائق قبل 1990. ثم تأتي الساعة السادسة
من مساء اليوم الثامن، حين تُرسل الدولة إشعارًا
مباشرًا: "تم تحويل سجلك إلى نوع مخصص – غير محدد
التراث".
في لحظةٍ من الهدوء، يُخلع أحمد معطفه ويُقدم نفسه
أمام المكتب، لا بطلب، بل بتفصيل: "أنا لا أريد أ
ن أكون من نسج الكون الجديد. أنا أريد أن أكون من
أولى الليلة".
الجواب جاء بسرعة: تذكرة طيران من الرياض إلى نجرا
ن، مع تعليق: "المساحة المتبقية للاستئناف: 3 أيام
".
لم يُقل أحد كلمة.
لكن المطر بدأ يتسلل عبر نافذة المكتب، وغمر خريطة
ً قديمة على الأرض، حُوّلت إلى بقايا رمادٍ على ال
شريط.
وهنا، في أول مدرسةٍ حضرها بعد عشرين عامًا، وقف أ
حمد أمام طلابٍ يرفعون أيديهم، ويقولون: "الله يُع
يننا"، وهو يعرف أنهم يحفظون نفس السؤال الذي كان
يُطرح عليه ذات يوم:
"من أنت؟"


