السوق المركزي في الرياض تحوّل إلى حقل من الرمال
بعد انتهاء صلاة العصر، حين سقطت خيمة الباعة الجد
د من دون سابق إنذار. لم يكن الصوت جماعيًا، بل كا
ن صمتًا كامنًا في الهواء — مثلما سبق أن حدث في ع
ام 1958 حين اختفى صوت المصلين من المسجد الكبير ق
بل يوم الفجر.
هذا الصمت لم يُفَشَّلْ بحسب التقاليد، بل أصبح نظ
امًا جديدًا: كل تاجر يُرَقَّب بنظام دخول الحيز ا
لتجاري عبر إشارات نقرٍ في القلب، لا بصوت. ما كان
يُسمى "التحديث" هو في الواقع استبدال ا
لصوت بالد
فء، والكلام بالاستماع الداخلي.
أحمد بن سليمان، الشاب الذي يحمل اسمًا ضخمًا من ن
جد، لم يعد يرى السوق كما كان. كان ينظر إلى طاولة
ابن عمه، المُعلّق عليها سجلُ الطريقة العثمانية،
ورأى أن كل رصيدٍ يُحوَّل إلى رقمٍ ذكيٍ يُسجَّل
في جهاز صغير في يده. لكنه لم يُدرِك أن هذا الجها
ز لا يسجل فقط المبيعات، بل يُقيِّم مدى "الاستقرا
ر النفسي" للمُشتري — فكل تاجر يُستبعد إذا أظهر ا
ضطرابًا في الإيقاع البطاني.
المنافس اللدود، عبد الرحمن السويدي، لم ينتظر لحظ
ةً واحدة. خلال أسبوع، أغلق خمسة أسواق منافسة، ثم
نشر إعلانًا بـ "التجارة الحرة" في الحي
الجديد —
لكنه لم يُذكر أحدٌ بوجوده. ظهر فقط من خلال نشرة
ٍ مكتوبة بخطٍّ مهيب، تقول: "الربح الحقيقي لا يُس
مع، بل يُحس".
في اليوم السابع، اختفى ابن شقيق أحمد — سليمان، ا
لفتى الذي كان يُرسل رسائلٍ كل صباح من مدرسته للو
الد بحروفٍ صغيرة على قطعة ورق. لم يُبلغ عن اختفا
ء، بل انطفأت رسالة واحدة، ثم الثانية، ثم ثلثة نو
رٍ في منزلهم.
الأم بدأت تُعدّ حفلة المولد، ولكنها أوقفت العمل
عند أول مرة تُسمع فيها همسة داخل المطبخ. كانت تق
ول: "يا رب، لا تجعل الصمت يأكلنا".
أحمد، وهو يقف أمام باب المطبخ، رأى حجرًا صغيرًا
ملقى على الأرض — عليه خطٌ مكتوب بدم: "الإحساس يُ
شترى، وليس يُكتشف".
لكن ما جعله يتحرك كان سؤالًا بداخله: لماذا لم يُ
ردّ أي أحد على نداءاته؟ لأن الصمت لم يُمنع الكلا
م، بل تحوّل إلى قانونٍ يُكافئ من يُخفي مشاعره.
في الليلة التي أعقبت ذلك، عاد سليمان إلى المنزل،
يمشي بلا صوت، يحمل محفظة من جلد الجمل. لم يقل ك
لمة. لم يبتسم. لكنه وضع المحفظة أمام والده، ثم ج
لس إلى جانب الأم، ووضع يده على كتفها.
الصمت لم ينتهِ. لكنه تغيّر نوعًا. أصبح وسيلةً لا
للتفرقة، بل للتواصل.
أحمد، في غرفته، فتح المحفظة. وجد فيها قائمة بخمس
ة أسماء من بينها اسم عبد الرحمن السويدي، وكلها م
رتبطة بمشاريع تجارية فاشلة — لكنها لم تُنشر.
النتيجة: السوق لم يُعاد، بل تحوّل إلى نظامٍ جديد
، حيث يُقاس النجاح ليس بالربح، بل بقدرة الإنسان
على التحمّل.
وفي ممرات الخزانة، تبقى رسالة واحدة مكتوبة بخط ط
فل: "أبي، هل سمعتني؟"


