القرية النجدية تهتز تحت شمسٍ حارقة، أرضها تتشقق،

الآبار جفت منذ شهرين. الحصان الذي كان يروي السق

يفة قبل عامين مات ليلًا، فبقيت الجماجم معلّقة عل

ى الشجرة.

المطر لم يُسجّل منذ 1957، لكن هذا ليس المفاجأة.

المفاجأة أن كل المياه التي اخترقت الصحراء خلال ا

لعقود الماضية — حتى تلك التي تدفق عبر الأودية ال

منسوخة من الخرائط القديمة — اختفت دون رجعة.

الداعية المؤثر ظهر في الجمعة الأولى من الشهر، لم

يذكر اسمًا، فقط قال: "ما نشر في الكتب هو حقّ، ل

كن ما سُرق من التربة لا يعود". لا توجد مياه في ا

لمساكن، ولا في البئر، ولا في الوعاء الذي كانت تُ

سقى منه العائلة.

القبيلة التي كانت تمثلها العشيرة الشمالية تنكّرَ

ت في الحدود، فطلبوا من المحافظة إرسال فرقة من ال

رّجال للبحث. لم يُرسل أحد. لأن النظام الجديد، ال

ذي بدأ مع استقرار الدولة، قد حدد أن "كل تدفق مائ

ي يجب أن يُراقب من مركز توزيع مركزي في الرياض"،

و"أي تجاوز لهذا القانون يُعتبر ثورة على نظام الن

عمة".

القانون الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ في 1960، يم

نع أي تصرف يُفترض أنه "يُخلّ بتكاليف التوزيع الو

طنية". وهو ما يعني: لا يمكن لأحد أن يُحفر بئرًا

أو يُجهز مجرى إلا بموافقة من وزارة الزراعة.

الراعي الوحيد الذي أقام بئرًا صغيرًا بجوار منزله

— بسبب فقدان آخر آبار المنطقة — اُعتقل في الليل

ة التي تبعَت خطاب الداعية. اُتهم بأنه "أساء استخ

دام حقّ الوصول إلى المياه الأساسية"، رغم أن البئ

ر كان مُناسبًا لثلاثة أسر فقط.

في اليوم التالي، أُرسلت لجنة محايدة إلى القرية.

لم تصل. وصلت بدلًا منها طائرة صغيرة تحمل صندوقًا

أزرقًا، فيه ملفات عن "مواقع توزيع مائية استراتي

جية"، وتحت كل ملف: تاريخ حفر، موعد انقطاع، وأسما

ء المتضررين.

الداعية المؤثر لم يتحدث بعد ذلك. لكن في يوم العي

د، وُضع باب منزله مغلقًا، وداخله وثيقة واحدة مكت

وبة بخطٍّ نظيف: "الحق في الماء ليس له سقف، ولكن

عليه حدود. من أراد الإصلاح، فليبدأ من أول ذنب".

الوَزير الذي أصدر القرار الأولي لم يعد يظهر في ا

لمجالس. ولم تعد هناك طلبات حفر.

وفي الليلة التي سبقت زوال الشمس، سُمع صوتٌ من أع

ماق الصحراء: ماءٌ يتدفق من تحت رمالِ الجبل. لم ي

كن كافيًا لريّ القرية، لكنه كان كافيًا لاستخدامه

في الصلاة.

الذي كتب الوثيقة، في نهاية المطاف، كان من بين أو

لئك الذين اعتقلوا. ولأنه لم يُعد، صُرفت تقارير ع

ن "مأساة غير مُفسرة".

لكن أولاد القرية، حين عرفوا، بدأت تغسلون وجوههم

بالماء الذي أُخذ من البئر المهجور، ثم يذهبون إلى

المسجد.

النظام الجديد لم يتغير. لكن العالم، في مكان ما،

بدأ يتنفس.