الضوء لم يُكن نورًا بل صوتًا: في قرية نجدية مغمو
رة بعاصفة رملية، ابتُلِيَت الأرض بظلالٍ لا تُنام
، حيث كل حجر يحمل صوتًا من جِنّ قديم، وكل زرع يُ
نبت فجأة بزمنٍ آخر. هذه كانت النتيجة التي خلقتها
صيغة "الإرادة الجماعية" بعد وقوع النفط
تحت الرم
ال — النظام الجديد الذي جعل التراب يذكُر، والسما
ء تُبكي، والهوى يُصبح مادةً حيةً.
العائلة العُليا، التي نشأت على نسيج الشراكة مع ا
لقبيلة المجاورة، اكتسبت حكمًا دينيًا غير رسمي: م
ن يُمسك الأدوات البدائية ويُكرر التسبيح ثلاثًا ي
وميًا، يُسمع له في الحدود. لكن هذا الحق لم يكن م
جرد اعتبار — بل كان سلاحًا، لأنه إذا توقف التسبي
ح، تنفجر الأرض بجثث مجهولة.
الصديقة المخلصة، سارة، كانت تُرسل كل ليلة إلى مق
برة القبلة لجمع الدماء الطاهرة من نوافذ الجِنّ.
لم تُسأَل عن السبب، فقط أُمرت بالعودة قبل الفجر.
وكانت تُسجّل في حقيبتها الصغيرة كل مرة ما سمعته
: "الأم تحبّني... لكنها تُريد أن أموت".
في الليلة التي اشتعل فيها الصفر، استيقظت القرية
على صوت طفلٍ يصرخ بألسنة متعددة. لم يكن هناك طفل
. كان صوتًا من الداخل، من عمق الكهف الذي تُدفن ف
يه الأسرار. وحين تأمّلت سارة الحقيبة، وجدت وثيقة
ً مختومة بدمٍ ناتج عن نفس شريحة الدخان الذي يُست
خدم في طقوس التحويل.
الرسالة كانت من أمها: "أنا أعرف أنك ستُقدّم نفسه
ا، لأنك لا تعرف أن الخيانة ليست في الصمت، بل في
الصلاة الصحيحة".
لم تتمكّن من التفكير. انطلقت نحو البئر، وانتظرت
حتى ظهر ضوءٌ أبيض من الأسفل. تسلّلت دون أن ترفع
صوتها. عند الوصول، وجدت أمها تقف فوق مكبّر قديم،
يُصدر أصواتًا تماثل ترديد القرآن. ولم تقل شيئًا
. فقط دفعَت بيدها إلى داخل الهواء، وانطفأ الضوء.
القرية اختفت. ليس بفعل زلزال، بل بفعل همسة واحدة
. لم تعد الأرض تسمع. لم يعد الجِنّ يُنطق. فقط صد
رت عن كل منزل صرخة متفاقمة: "ما كان لنا نحن
؟".
سارة وقفت وحيدة. بين نباتاتٍ لم تُزرَع بعد. وبين
حقيبةٍ فارغة. وبين رؤية واحدة: أمها، لم تُقتل.
بل تحوّلت إلى حجرٍ في القاع، يُسمع منه الآن تسبي
حًا مستمرًا.
وأصبحت هي، من تلك اللحظة، لا تُسمع.


