تُسجَّلُ امرأة في مكتب التسجيلات البدوية بحالة "
مُختفِية" بعد أن أخفت مكتوبًا بخط يدها على سجّل
العائلة: "انصرفي، فالأرض تُناديك". لم
يكن حديثًا
عن الهجرة، بل عن فرار من دينارٍ صادرٍ من ساحل ج
زيرة الفاو، وصُدِّرَ له بطاقة سفر لمنطقة مُحَرَّ
مة — عُرفت باسم "العَيْن المُتَمَلِّكَة".
الصحراء تغيرت: ما كانت تُمثّلُ حُدودًا بين القبا
ئل أصبحت شبكةً من الأبواب الباطنية، تفتح عند شرو
ق القمر الثالث. كل خطوة تترك أثرًا في الرمال، وت
ُذكِّر الجين بالاسم الذي كُتب عليه.
في الليل الثامن، وقفت أمام باب من رمال سوداء، ظه
رت عيناها في المنعكس كأنما ناظرتين من الداخل. من
عتها الشريحة الحمراء التي يُقال إنها تُحمي من "ا
لنظر المُميت"، لكنها لم تكن تعرف أن السحر لا يُح
جب، بل يُستَهلَك.
دخلت.
لم تكن مدينتها ذات جدران، بل متاهة من مرايا حيوي
ة تُعيد صورتها كل عشر ثوانٍ، تتغير في كل مرة لتُ
ظهِرها أكبر، أقوى، أو أكثر رقة. كانت تُسمع صوت ز
وجها المتوفى يهمس في ظل النافذة: "أنتِ لن تعودي،
فكل من يهرب من العين يصبح جزءًا منها". لم تُردّ
. اقتربت من مرآة وسط الممر، ورأى وجهها يتشقّق.
في القلب، وجدت صندوقًا من جلد جنينة. افتُتح بـ"ا
لنقطة الوحيدة" التي كانت مُرسومة على رأسها منذ و
لادتها — نُقطة دموية لا تُزَال. من داخله، طُلِبَ
من روحها اختيار واحدة: إما أن تُطفئ عينها وتُخل
ّص المدينة من نفوذها، أو أن تُعطيها الدم، فتصبح
قادرة على فتح كل أبواب العالم.
اختارت أن تُطفئ.
انطفأت العين.
انهارت المرايا. انكسر الصمت.
في اليوم التالي، تم العثور على جسد امرأة في وسط
الصحراء، مدفونة بطبقات من الرمل، مقلّدة تمامًا ل
رسمة قبيلة نجد التي تُصوّر صورتها المُفترضة قبل
الخروج. لكن في يدها، كان هناك نسيجٌ من خيطٍ أحمر
، وعليه نُقوشٌ قديمة: "لا يُبنى الوطن إلا على من
يُغيب".


