الصحراء تشرب الماء قبل أن تُسقَى، والليل يُطفئ ا
لشموع قبل أن تُشعل. في قريةٍ من صخور نجد، حيث ال
جبال تُهمس بالذكريات، تُولد سمر في ليلةٍ من حُزن
ٍ خفيّ، وُلدت دون شهادة، ومُسجّلة فقط باسم "البن
ت التي لم يُسمِّها أحد".
من أرضٍ فقيرة، تُعَلِّمُ نفسها القراءة على صفحات
مبسوطة من دفترٍ مُهدى من مدرسةٍ في الرياض، تعود
إليه بمثلثٍ من الحجر يحمل اسمها مُنسوخًا بخطٍّ
يشبه الدم.
تُرسلها والدها، المُكلّف ببناء أول طريقٍ للإسفلت
في المنطقة، إلى منزل عائلةٍ كبيرةٍ في الدرعية،
لتأخذ مكانًا في دورةٍ تعليميةٍ مُخصصة للبنات من
النخبة. هناك، تُكتشفُ قدرتها في التصميم، تُرسم خ
طوطًا على الحائط بعدما احترقت كل الألوان في مكتب
ةٍ حكومية، وتحوّلت الرؤى إلى رُؤى تُنبِتُ جسورًا
من حجرٍ وفولاذ.
لكن قريبتها الكبرى، التي تُعدّ رمزًا في تقاليد ا
لقبيلة، ترفض استقبالها في العرس الكبير، لأنها "م
ُعلّقة في الوصمة الاجتماعية" — لم تُدفن أمها في
مقبرة القبيلة، ولم يُكتب اسمها في السجل.
في الليلة التي تُقام فيها المُسابقة الكبرى لإنشا
ء مشروع تنموي مشترك بين القبائل، تُقدّم سمر تصمي
مًا لسدٍّ يُنقذ ثلاث قرى من الفيضان، لكنه يتضمّن
خطًا مستقيمًا يُربط بين قبور القبائل — خطٌ يُذك
ّر بدمٍ لم يُستأثر به.
السلطات تُوقف المشروع. النظام الجديد الذي أسّسه
الملك عبد العزيز — نظامٌ يُغيّر طبيعة الأرض: كل
ما يُبنى يجب أن يُسجّل عبر أجهزةٍ لا تُمكن من تج
اوزها — يُعتبر هذا الخط "محظورًا"، لأن
ه يُعادل م
ُراجعة التاريخ.
تُعلن سمر أمام الجميع أن مصيرها ليس من تُصنعه، ب
ل من يُحرقها. تُحرق تصميمها في النار، وتُخرج من
جيبها لوحةً صغيرةً مُرسمة بدمٍ حقيقي، تحمل اسم و
الدتها.
الضوء يسري على وجهها. لا أحد يتحدث. الأمس يُغطّي
اليوم.
لكن في الصباح التالي، يُفتح موقعٌ جديدٌ على الجد
ار، يُسمّى "المكان الذي يُحتفظ فيه بالاسم&q
uot;. فيه،
تمثالٌ صغيرٌ يُبنى من الطين، ويُعلّق عليه قطعةٌ
من قماشٍ مُلطّخٍ بالحبر، تُركّب عليها صورةٌ لأم
ٍّ غير مُسمّاة.
السُّلطان يُرسل مسؤولًا إلى القرية. لا يسأل عن ا
لسد. يسأل فقط: "هل تعرفين كيف تُصبحين حاضرة؟"
القرية تُصمت. ثم تبدأ كل امرأةٍ في البدء بكتابة
اسمها، ولو كان آخر شيء تفعله.


