الصمت يغمر الصحراء عند شروق الشمس الثالثة بعد ان
قطاع الكهرباء. جثة ناقلة على عجلة تُحمل من قرية
النعيم، وسط حزن لا يُنطق. الريح تحمل فقط اسم "لي
لى" ونفحة من عطر الزيتون قبل أن تنتهي.
في الساعات التي تليها، تبدأ الرؤى بالانتشار بين
الرجال في المدينة القديمة: صورة امرأة تسير على ج
سر من أشعة ضوء، يشبه سير الكواكب. الجسر لا يظهر
إلا في أحلام الأشخاص الذين فقدوا شيئًا من عائلات
هم.
تحت بيت دفن جديد، يُفرّغ المهندس المبتكر "ف
ارس"
حقيبته من أدواته، ويبدأ بقياس طبقات الأرض. يكتشف
أن الطبقات لا تتسلسل زمنيًا، بل تتداخل — طبقات
من عام 1945 تقع فوق طبقات 1982، ثم 1960، كلها مب
نية فوق أرضٍ مُحرّكة بعمود من حديد نادر. هذا الح
ديد لا يُصنع، بل يُستخلص من رؤى الشعوب المنقرضة.
تُرسل رسالة من بعيد، تُكتب بخط يد متقاطع، تحذر م
ن "الزوجة التي لم تُزوج". في اليوم الر
ابع، تظهر
ليلى أمام فارس داخل أحد المستودعات المهجورة، لكن
ها لا تتكلم. تمسك بيدها مطوية من ورق قديم يحتوي
على خريطة للجسر، وتُشير إلى نقطة واحدة: مكان قبر
والدها.
تُعلن السلطات في المنطقة عن تعطيل جميع العمليات.
يُمنع الدخول إلى الموقع بسبب "تغيرات في الز
مان"
. تُغلق المدارس، تُعلّق البناءات، وتُعدّ كل أحدا
ث المنطقة ضمن "الحالة الطارئة الحسية".
لكن فارس
يدرك أن النظام لا يحمي، بل يُخفِي: الجسر ليس مجر
د مبنى، بل نظام تواصل بين أرواح متوفاة ومن توقفو
ا عن الحياة.
في الليلة الخامسة، يدخل فارس المكان بسيارة حكومي
ة مسروقة. يرى الجسر: يتكون من أعمدة من شكل حروف
عربية مترابطة، وأرضيته من حجر أخضر ينبعث منه صوت
تذكير. يقف في المنتصف، يرى ليلى، تقف وراءه. لا
تنظر إليه. تضع يدها على جدار، وتفتح بابًا من ورا
ء الحجر. من وراءه، يخرج شاب من سنة 1957، يرتدي ب
زة قديمة، وعيناه تنطفئان.
يفقد فارس الوعي. يستيقظ في مستشفى قديم، مغطى بقم
اش أبيض. يسمع صوت طفلة تقول: "والدتي لم تكن غائب
ة... هي اختارت أن تبقى هنا".
الوضع يعود إلى الطبيعة. الجسر يختفي. لا يوجد بقا
يا. لا أثر. لكن في كل بيت من قرى نجد، تبدأ تقاري
ر عن أطفال يرسمون جسورًا من ضوء، ويقلدون خطوط حر
ف "ل".
وكل من رأى الجسر، لا يستطيع نسيان وجه امرأة تمشي
عليه، تلمحه من بعيد، دون أن تُلمس.


