الوادي الذي لم يُكتب له أن يُسقى بِماءٍ حيّ، امت
لأ بضوءٍ غير طبيعي منذ الليلة التي اختفى فيها خم
سة أفراد من قبيلة الشّواهدة. نُسِبَت الكارثة إلى
الجِنّ، لكن الحقيقة كانت أعمق: ظلّ من النار، كا
ئنٌ من العصر القديم، استيقظ من تحت الصّخور بعد ا
كتشاف آبار النفط في الربع الخالي.
أُسِّسَ نظام جديد للحكم في تلك الأراضي — لا يُعت
رف بالحدود، ولا بالعرق، بل بمن يُسيطر على النّار
المُحرقة. كلّ مُقدّم للقتال كان عليه أن يُبرهن
على تفوقه أمام اللهب. من بينهم، رجلٌ يُدعى عثمان
، قائد عسكري مُقيّد بقرارٍ قديم: لا يُسمح له بأي
تواصل مع أي طرفٍ خارجي، بسبب شهادة عائلته بأنها
دفنت في التراب قبل عشرين عامًا.
في ليلةٍ من ليالي الاعتدال، انطفأت الأنوار في جم
يع المدن الشمالية. عُثر على جثّة امرأة من قبيلة
الرّاميات في حوض الماء، وقد تمّ تحديد هويتها بتو
قيعٍ صغيرٍ على مقلّةٍ تُشبه علامةَ القبائل في ال
مشرق. لم يكن ذلك مجرد تفاصيل، بل فضيحة عائلية مُ
خفاة: والدها، أحد المُرسلين الأوائل، قد أُعدم عل
ى يد رجال عثمان حينما حاول إبلاغ السّلطات عن وجو
د "كائنات" في باطن الأرض.
انكسرت قاعدة الحرب. بدلاً من التّقاتل، بدأت المُ
ؤتمرات السّرية بين القبائل. أُرسلت رسالةٌ عبر طر
يقٍ قديم: "من يفتح النار، يُحرق نفسه".
ولكن عثما
ن، وهو يحمل خاتمًا من نحاسٍ محفوظ منذ زمن، شاهد
صورةً لوالدته في ضوءٍ خافت — تُنظر إليه من خلال
نافذةٍ لم تُبنى بعد.
في يومٍ من أيام الصيف، حضرت سبع قبائل إلى وادٍ م
هجور. لم يُرفع السّيف، ولم تُطلق النار. بل وضع ك
لّ قائدٍ يده على صخرةٍ من حجر النّار، وأقرّ أنّ
الدم ليس هو الحلّ.
انتهت المُحاكمة. لم تُجرَ عملية استئناف. تمّ تسج
يل الحدث في دفترٍ مُغلق، ووضع تحت رمز "النس
يان"،
لأنّ العالم الجديد يتطلّب سلامًا مُستدامًا.
لكن عندما نزلت الأمطار الأولى بعد عشر سنوات، نُش
ِرَت نبتةٌ حمراء من بين الصّخور — تُشبه شكلَ يدٍ
تُمدّ من تحت الأرض.


