في قلب نجد، حيث تُسجّل الأصوات على الحجر قبل الع

صر الحديث، ظهر شاعرٌ لا يملك من القبيلة سوى اسمه

ا، وينام في حظيرة قديمة مع أخته الوحيدة. النظام

الجديد يقرّر أن كل صوت يُستمع إليه يجب أن يكون "

مأذونًا" من سجل العروض، ولا يُسمح لأحد بالتحدث د

ون تصريح من مجلس السمع.

السبب: في زمن ما قبل النفط، اكتشف القادة أن الجِ

ن — الذين كانت تُهمَّهم الرؤى والكلمات — بدأت تس

تجيب لمن يُسمع صوته بشكل غير متوقع. ففرضوا قانون

ًا: من يُصدّر صوتًا لا يُخضعه للتسجيل، يُعدّ جنو

نًا، ويُعتبر تهديدًا لاستقرار العالم.

الشاعر المفلق، الذي كان يُردّد أبياته في الظلام

دون طلب، يُصدم حين يُسمع صوته من فوق التلال ويتو

قف فيه البَرْقُ. لم يكن ذلك مجرد تأثير؛ بل كان ك

سرًا في التوازن الطبيعي: الجن تجمّعوا حوله، ثم ا

ختفوا. اليوم، لا أحد يفهم كيف استطاع أن يُطلّق ك

لمات تُحرك الخريطة الحية للهواء.

لكن ما حدث لم يبقَ سرًا. رُئي بقايا خطوط حمراء ع

لى الأرض عند مغيب الشمس، وانطفأت الشعلات في كل ا

لقرى المجاورة. انتشر خبر أن صوت هذا الشاعر يُفكّ

ك التوازن بين العوالم. احتُجزت أخته في دار ضيافة

للنساء، وأُرسلت فرق من "الصيادين" إلى

الصحراء.

بدأ الهجرة السرية: خرج من خلال ممرٍّ تحت الرمال،

وهو يحمل كتابًا من الشعر قديمًا، لا يُكتب عليه

شيء، لكنه يُصدر أصواتًا تُغير اتجاه الرياح. مرّ

بمنطقة "البُرْمَة"، حيث تعيش جماعةٌ من

المُخرِجي

ن، أشخاصٌ لم يُولدوا في هذا الزمن، بل أُخذوا من

المستقبل ليدخلوا هذا العالم.

في قلب الكهف، وقف أمام جدارٍ يُكتب عليه: "كل كلم

ة تُقال تُغيّر الواقع". اقترب من الحجر، وألقى كل

مات من قصيدة له. ارتفعت الزهور من تحته، وانفتحت

ثقوبٌ في السماء. لم يقل شيئًا بعد ذلك. فقط نظر إ

لى أفقٍ جديد.

بعد أسبوع، ظهرت نشرةٌ في المدينة: مشروع "مُصَوَّ

ر" لتوزيع النسيم الآلي يُحقّق أول إيراداتٍ ضخمة

منذ بناء الرياض الجديدة. اسم الشركة: "صوت العزلة

". لم يُذكر أحد. لكن بعض الناس، حين يسمعون نغمًا

في الليل، يرفعون رؤوسهم ويقولون: "هل سمعت؟ هناك

من يتكلم."

الشاعر لم يعد. فقط أثرٌ: في كل صباح، تُفرش صحف ج

ديدة على أبواب البيوت، مكتوب عليها كلمات من نصوص

ه القديمة، وكلماتها تُعطي نتائج تجارية غير متوقع

ة. لم يُطلب منه أن يربح. لكنه ربح.

وما بقي من صوته، كان يُحول المطر إلى ماءٍ يُغني.