تُقَدِّم الشابة نورة، موظفة مُجتهدَة في وزارة ال
تخطيط، طلبها للاستقالة من وظيفتها في الرياض بعد
ثلاث سنوات من العمل الدؤوب. لم يكن ذلك سببًا في
حزنها، بل فشلها في إثبات أن الريادة لا تحتاج إلى
صوت، فقط إلى جهد. يومها، وجدت رسالة من أختها ال
تي غابت منذ عشر سنوات: "انضمي للبحث عن المكان ال
ذي يُخفيه الجِنُّ في شرق النقب".
النص كان مكتوبًا على ورقة مطبوعة بأحرف بدائية، م
ُرسَلة عبر خطاب خفيف من منطقة حائل. لم تُردْ ردً
ا من قبل القبيلة، لكنها عرفت أن الرحلة ليست اختي
ارًا — بل تكليفًا. بدأت رحلتها من البادية، دون م
عرفة بأن المنطقة التي تدخلها قد تغيرت: الأراضي ص
ارت تنبض بطاقة كهربائية خفية، والصحراء تُوحي بوج
ود بنى تحتية غير مرئية، كما لو كانت مدينة مُدفون
ة في زمنٍ سابق.
خلال اليوم الثالث، اصطدمت بحاجز من رمال تتحرك كأ
نها تتنفس. ظهرت أمامها شجرة نخيل معلّقة في الهوا
ء، وأمرت بـ"الاستسلام للسحر"، لكنها لم
تقل كلمة.
انكسرت زجاجة حملت عليها، وتسرب منها سائلٌ أبيض
يذوب في الرمال. تلك اللحظة دفعها إلى الاعتقاد أن
الأرض ترفض كل من يدخلها بمعتقدات خارجية.
بعد سقوطها من الجمل، استيقظت في كهفٍ من الطين، ح
يث تُظهر الرفوف مخطوطات تُخبر بقصة قومٍ ضاعوا في
زمنٍ ما، وكيف أنهم وصلوا إلى "الأرض المُعَطَّلة
"، حيث يُحكَم العالم بالروح لا بالقانون. هناك، و
جدت نورة خريطةً محفورة على سيراميك، تشير إلى مغا
رة داخل الجبل الذي يُسمّى "قرية الموت".
دخلت الكهف مع صمتٍ كامل، وسط أصوات أقدامٍ مُتحرك
ة في الجو. عند الوصول، وجدت مبنىً من أحجار سوداء
، فيه تمثالٌ لهيئة امرأة بعيون مفتوحة، وحوله ورق
ة مكتوب عليها: "من يقدر على النظر في عينيّ، يُصب
ح ملكًا". لم تتفكر، بل وقفت أمامه. ارتفعت الرمال
من حولها، وامتلأت الغرفة بضوءٍ ذهبي، وخرج من ال
خلف صوتٌ خافت: "هل تحبين هذا المكان؟"
لم تجب. بل أغلقت عينيها، ثم نظرت من جديد. الحجر
تغيّر. لم يعد يحمل أي شيء.
عادت إلى البادية، حاملةً في حقيبتها سجادةً صغيرة
من قماشٍ لم تُصنع من أي مادة معروفة. في المدينة
، وجدت أن جميع أهلها قد اختفوا. لم تكن أول مرة.
قبل شهر، عثر على طفل في مدرسة عامة، وقال: "أنا ن
ورة، أنا التي رأيت الجنة".
اليوم، تُدير مدرسةً للبنات في حائل. لا أحد يعرف
كيف حصلت على الوظيفة. لا أحد يسأل. فقط، عندما تن
طفئ الأنوار في الليل، ترى ظلالًا تمشي بجانبها، و
تسمع همسًا من عمق الأرض: "نحن هنا، لأنك عدت".


