الرمال ابتلعت المدن قبل أن يُخْبِر الناس بالكوار

ث التي دارت في أعماق الأرض. الصحراء لم تعد تعرف

النهار، والضوء القادم من القمر كان أشبه بتنبيهٍ

من الجحيم. جرت الأمطار في عُشر سنوات، وامتلأت ال

خزانات بدماء الغنم التي لم تُذبح بعد.

في قرية شرقية على حافة التهديد، اُختُطف اسمها من

الخريطة. ذُكر فقط في دفاتر السكان الأخيرة: "أبو

طالب – سكان 1958". لم يعد أحد يعرف ماذا يعني هذ

ا الاسم، لكنهم عرفوا أن البئر تحت الجبل لا تُنبت

، وأن الرائحة في الهواء تشبه رائحة النار التي لم

تُفجَر.

الخطوبة كانت حُلماً معطلاً. الفتيات لم يُسمَّعن

باسمهن منذ عشرة أشهر. كل واحدة تُعتبر مُستعدّة ل

لهجرة السرية، إن لم تُرضِ نصيبها من العقد. ورغم

ذلك، خُطِّط لزوجة واحدة فقط: صابرة. كانت تُناور

بين الشروط، تحفظ القرآن دون أن تُظهر الدمع، تمشي

بقدمين تُشبهان حجرًا، تُقبِل على الزواج كما لو

أن العقد هو آخر سلام لها.

لكن القبيلة أعلنت: من يُسافر الآن، لا يعود. ومن

يُرسل رسالة، لا يُكتب لها رد. القاعدة لم تُؤخذ م

ن كتاب، بل من صرخة امرأة اختفت في عام 2043، عندم

ا هربت من القبيلة مع طفلها، وتوارى الجميع عن وجه

ها.

بدأ الأمر في الليل. دفعوا صابرة إلى ظهر جملٍ مُر

َوّض، وربطوا نسيمًا أسود على رأسها. لم يُقل أي ش

يء. فقط صوت انفجار في المدخل الجنوبي، ثم صمت.

في ثمانية أيام، عبرت الصحراء حيث تجمّعت الرمال ف

وق السيارات، وصارت الأشجار مثل هياكل ضاحية مدفون

ة. مرّت بمكان يُقال إنه مدرسة، فوجدت تماثيل أطفا

ل مُغطّاة بالغبار، ولكل واحد منهم كِتابٌ مفتوحٌ

على سورة الفلق.

في المدفن الأخير، وجدت رسالة مكتوبة بيد متوفّى:

"من جاء من الشرق، فأمضِه إلى النبع الذي لا يُصبّ

. هناك، سيُطلب منك أن تختار: تسكن، أو تُخبِّئ. ل

ا يوجد وسط."

أمسكت بالرسالة، وقرأتها. لم تكن لتُصدّق أن صوتها

مُسجل في نظام المُراقبة قبل ثلاثين سنة.

عادت إلى القرية، ولم تُدخلها. وقفوا عند الحدود،

وأعلنوا: "ليس من حق أحد أن يرد. القيم الأصيلة لم

تعد تُسجّل، بل تُحَمَّل."

صَبَرَت. ثم أخذت الرسالة، ووضعتها في نبتة عُود،

وحرقتها بأيديها.

لم تُذكّر أحداً.

لكن في اليوم التالي، بدأت تُسمع أصوات الأطفال من

جديد في البئر.