الحريق لم يمحِ فقط البيوت، بل جعل كل رائحة عطراً
معدوماً. صحراء المُضيّا، التي كانت تُسمى قبلها
"أرض العَود"، أصبحت الآن خالية من الغي
وم، وسماوا
تها تهتز بضوء أزرق ثقيل — تُشبه زقاق النور الذي
لا يأتي من الشمس.
في قرية تُدعى الدُّرَيْك، اختفت الأسر والمساجد م
ن الجداول السطحية، لكن القبور لم تُستعمل إلا لبن
اء المدارس الجديدة — هذا القانون الجديد: كل حجر
دفن فيه إنسان يجب أن يُبنى عليه مدرسة.
الأرملة فاطمة، من قبيلة الرِّياض، استُدعيت لقياد
ة مدرسة في موقع حفرة حديدية. لم تكن تريد أن تُؤم
ّن الدراسة، لكنها وُجِدت في سجلات الهوية الوطنية
كـ"الواردة الوحيدة من جيل الطفولة الماضية&q
uot;. كان
ذلك شرطاً: من يُراد له أن يُقيم مؤسسة تعليمية،
يجب أن يكون له ذكرى حُرِقَ فيها أهلُه.
طلب العلم لم يكن اختياراً. كان جزءاً من احتساب ا
لأرواح. كل طفل يُدخل المدرسة يُسجل اسمه تحت اسم
أحد القُبور. من يرفض، يُعتبر كافراً بالهوية.
في اليوم الثالث، اكتشفت فاطمة أن أحد التلاميذ، ا
بن الشيخ الفقيد، يكتب على حافة الكتاب: "أنا لا أ
ريد أن أكون من بين القبرين". فاتخذت قراراً: خبأت
المدرسة عن النظام، وأرسلت الطالب إلى مدرسة في ا
لمدينة القديمة — حيث لا يُحسب الطالب بموقع القبر
، بل بطول المسافة التي يقطعها من أجل المعرفة.
النظام ظهر في الليلة الرابعة. جيش الهوية المُختا
رة، يُركب سيارات تُشبه قبوراً متحركة، اقتحم المد
رسة. علقت فاطمة رأس الطفل بحبل من القماش الأبيض
— ليست للتعذيب، بل لإغلاق نهجه من خلال الذكرى. و
عندما سألوا: "من الذي فعل هذا؟"، ردت ب
صمت، ووضعت
كتاباً في يده: "هذا هو آخر كتاب يُقرأ قبل الانط
فاء".
النظام انكسر. لم يُدمّر المدرسة. بل أُعلن أن كل
مدرسة يجب أن تُصنع من أرض تُعرف بأنها "ليست مقبر
ة".
فاطمة لم تُرحّل. وُضع اسمها في أول قائمة التعليم
الوطني. وبدأ الأطفال يكتبون على جدرانهم: "نحن ن
ُريد أن نُصبح ما لم نُحرق".
السخرية لم تكن في المكان. بل في أن العالم الذي ل
م يُخلق من جديد، قد خلق من جديد، دون أن يُذكر أح
د.


