البحر اختفى. من يومٍ إلى آخر، تراجعت المياه حتى
كأنها ابتلعت كل شيء — البوابات، الموانئ، حتّى ذك
ريات الصيف. بقيت رمالٌ متوحشة تمتد من جدّة إلى ا
لدمام، تغطي قرىً كانت تُعرف بأسماء بحرية.
في خيمةٍ من القصب على هضبة عُليا، تتجمع نساء الق
بيلة تحت شمسٍ جامدة. لا تتحدث عن التيار، ولا عن
الطائرات التي لم تعد تحلق. تنظر إلى حجرٍ غريبٍ أ
خذته من تحت الرمال: بحجم حبة زيتون، بلونٍ أبيض م
ائل للزرقة، يلمع حين تمرّ عليه الإبرة.
أول من لمسه كان الشيخ الحكيم. لم يقل شيئًا، لكنه
أمسك به فجأة، ورفعه نحو الشمس، ثم ضغطه بيده، فا
نكسر الحجر. خرج منه سائلٌ دافئ يشبه الدم. صمت ال
جميع.
في الليلة التالية، بدأ التساقط. ليس من السماء، ب
ل من الأرض. كُلّ من أتى بالحجر أو حمله أصبح يسمع
صوتًا في رأسه: "النهر ما يعود، ولكننا نعود".
النساء اجتمعْنَ أولًا في الخيمة. لم يكن هناك طقو
س، ولا خطابات. فقط قرارات. كل واحدة منهنّ انتزعت
حجرًا من يديه، ووضعته في قماشٍ محبوس بخيطٍ نحاس
ي. بدأت التبادل.
في اليوم السابع، جاءت سفينةٌ من البحر الجديد — ل
يس بحريًا، بل من جوف الأرض. نزل منها رجالٌ بلا أ
علام، يحملون معداتٍ غير معروفة. قالوا إنهم من مر
كز الحماية البيئية.
لكن الشيخ الحكيم، وهو يجلس على كرسيٍ من صلب الشج
ر، نظر إليهم وقال ببطء: "كلمة واحدة تقولها ستُقت
ل."
المجموعة أرسلت نسائهم بحزمة من الحجارة إلى أقصى
شمال الساحل. وصلنَ قبل الشروق. وضعنَ الحجارة في
دائرةٍ حول بئرٍ قديم.
حين تطايرت الغيوم من فوق البئر، ظهر شيءٌ لم يُرك
َّب من أيّ موادٍ معروفة. ماءٌ نقيٌّ، يلمع كاللؤل
ؤ. لكنه لم يكن ماءً. كان كلامًا متجمدًا: "نحن نذ
كُر. لا ننسى."
اليوم التالي، لم يُسمَع أحدٌ من الرجال يتحدث. لك
ن النساء، منذ تلك الليلة، كنّ يدخلن البيوت، ويضع
ن الحجر أمام السرير، ويُمسكنه بصمت.
القيم الأصيلة لم تُعاد. لقد تغيرت.
التجارة لم تكن للبيع. كانت للإحياء.
والشيخ الحكيم؟ اختفى. لكن أصوات النساء تذكره في
كل صباح.
الساخرة ليست من الضحك. هي من الصمت الذي يفتح الأ
بواب.


