الصحراء التي كانت تُستَمد منها الأرواح، صارت قبو
راً تحت الرمال الساخنة. الكارثة لم تكن عاصفة — ب
ل تحوّل فيضانات الجفاف إلى هبوب أشجار من سحب نار
ية، تحولت إلى ذبابة تأكل كل ما يتحرك. انتهى الزم
ن قبل الانقراض.
القرية القديمة، جَرِيّة، اختفت من الخرائط. من بق
ي كان من فئة "المسافرين التائهين" — ال
ذين لم يُس
جَّل لهم عودة، ولا أهل، ولا اسم. اندفعوا عبر الص
حراء الحارقة طلباً للحياة، ثم توقفوا عند أول حفر
ة مائية وجدوها.
في ليلة بلا قمر، ظهر من بين دخان المدمرة: رجل لا
يحمل حقيبة، لا يُعرف له اسم، لكنه يضع على صدره
قلباً مصنوعاً من خشب شجرة النخيل، وهو الشكل الذي
يُرمز به في العهد القديم على "الجذور".
كان هذا
الجذور، وليس مُنتمياً إلى أي قبيلة.
لكن في اليوم الرابع، بدأت علامات الجذر تظهر: زرا
عةٌ غير محسوبة، قرب منزلٍ مكسّر، يُنبت غرساً من
زرعٍ قديم. الناس بدأوا يجمعون حوله. طفلة صغيرة ت
لمس قلبه، وتقول: "هذا مثل أبي".
كان ذلك عندما تحقّق التحديد: هو ليس مسافراً. بل
غائبٌ عاد. وعندما اكتشفوا أنه كان أحد من فقدوا ف
ي كارثة الطقس، وعاد من حيث لا يُعقل — تغير النظا
م.
القانون الجديد في القرية الجديدة: لا يُسمح لأحد
بالخروج من حدود الموقع دون موافقة الجذور. ويرى ا
لجذور في كل شيء، حتى في البُقع المظلمة على الجدا
ر. من يشكك في الجذور، يُعزل. ومن يصرّ على الرحيل
، يُختفي.
في الليلة الأخيرة، اقترب الرجل من مسرح الحفرة حي
ث تُوارى أشلاء القبيلة. أخذ ملصقاً من قصيدة قديم
ة، وضعه على صدره، واقتحم حافة الصحراء. لم يُرد أ
ن يعود. فقط أن يثبت أن الجذور لا تُبنى على الذكر
ى، بل على من يتحمل الألم.
صباح اليوم التالي، لم يبقَ أي أثر له. لكن على ال
حائط، وُجدت رسالة مكتوبة بدم:
"العودة ليست للبيت. العودة هي أن تُعدّ البي
ت."
القرية بدأت تبني من جديد. وبنيت من خشب النخيل، و
مياه من أعماق الأرض، وذاكرة لا تُمحى.


