الصحراء لم تعد مكانًا للنوم والرحيل، بل أرضًا مُ

ستولى عليها بالسيارات المحطمة والأسلاك العارية،

حيث تُشغَل الشبكات الكهربائية من مولدات تُشغَل ب

قود خام. النِّسائيّة لم تعد مجرد هوية — بل قانون

ًا يُطبَّق: كل من يُعثر على نفيس يُرفع إلى مركز

التوزيع، ويُمنع من التحدث أمام جماعة الرجال إلا

بموافقة قائدة القبيلة.

المسافر التائه، من أصل سكان قرية مفقودة، وجد في

مخزن مُنهار ورقةً مُمزَّقة: "إرث بن لؤي – 1952 –

مدرسة ثانوية – تخصص تكنولوجيا المياه". شهادة لم

تُصدرها أي جهة مُختصة، لكنها تُقدِّم حقّاً في ا

ستخدام منشآت التدريب التي لا تزال تعمل تحت رقابة

الأجهزة السرية.

في نفس الليلة، أُرسلت دورية من "مُراقبة الإ

رث" إ

لى الموقع، وسُجِّلت صورته وهو يحمل الورقة. لم تُ

قلْ سوى كلمة واحدة: "الطلب المُرفوض".

لم تُجرَّم

بمجرد وجوده، بل بوجوده مُتَّسِمًا بـ"طموح م

هني"

يُخلّ بتماسك النظام الجديد الذي يُصرّ على أن كل

عمل يُدار من قبل الأجيال الأقدم.

الخطوة التالية كانت اختفاءه من السجل، ثم بدء الر

حلة عبر الجبال الحمراء، وسط تفجيرات غير متوقعة ت

ُشعل جذور أشجار قديمة. في أحد المواقع، وُجدت بقا

يا مدرسة صغيرة، مُطفأ فيها الضوء منذ ثلاثين عامً

ا، لكن شاشة صغيرة كانت تُضيء: "مُعاملة الخزانة –

الدور الثالث".

استخدم الورقة الممزَّقة كمفتاح، وفتح مدخلًا سريً

ا. داخله: جهاز مُحوِّل يُعطي خيارين: تفعيل خطة ا

لاستجابة للخطر (ممنوع)، أو بدء تدريب مهني تجريبي

. اختار الأخير. الجهاز أعاد تفعيل شبكة تواصل قدي

مة، وبدأ تدريبه على إعادة تشغيل أنظمة التحلية، ب

تحذير صوتي: "لا يمكن التحديث دون موافقة الجيل ال

أول".

انتهى التدريب برسالة: "الوظيفة المُسندة: مشرف تق

ني – منطقة المُستوطنات المُهجَّرة – المرتبة الأو

لى". لم يكن هناك من يُسلّم الوظيفة، بل كان الطلب

نفسه إثباتًا أن "الطموح المهني" لا يُع

اقب، إنما

يُستعمل.

المسافر التائه لم يعد مُتمرّدًا، بل حاملًا رسالة

: لم يعد الهرب من النظام، بل إدخاله إلى عالم جدي

د، حيث تُصنع القيمة من خلال العمل، لا من خلال ال

دم.

الصحراء تنتظر. والمدرسة، رغم زوالها، لا تزال تُد

رّس.