انكسر الصمت في وادي نجد حين استيقظ الجبل على صوت
ه. لم يكن جبلاً من صخور، بل كياناً يتنفّس بعمقٍ
من التراب والدمع. امتدت جذوره تحت الأراضي منذ قب
ل مائة عام، واستقرّت في قلب كل شجرة، في كل ريح،
في كل خشبة من بيتٍ قديم. كان هذا الشكل الجديد لل
عالم: الأرض ليست مكاناً، بل كائنًا يُحاسَب.
لم يُسمَع صوتٌ لابن العجوز المُجتهد منذ ثلاثة أي
ام. عثر عليه الناس وسط النهر الملوث، جسدٌ مُغطّى
بالتراب الأحمر، يحمل في جيبه صحيفةً ممزقة من "ا
لأخبار اليومية" – آخر إشارة من عالمٍ انطفأ. كانت
هذه الواقعة نقطة التحوّل: من الآن فصاعداً، لا ي
مكن لأحد أن يموت دون أن يُحسَب له صوت.
انتشر الخوف. لم يعد الموت مجرد نهاية، بل خطوة في
نظامٍ جديد: من يُقتل، يُستدعى في الليل ليدفع ثم
نًا لمن يرتكب السيف. وقف ابن المجتهد أمام البئر،
رافعاً يده، فسمع صوتاً من الطين: "لن أستمع إلى
صوتك". تبيّن أنه لم يُقتل، بل اختُطف من عالم الب
شر، فاستُبدِلَ بمكانٍ آخر – حيث لا يُمكن لمن يُح
بّ أن ينطق.
في ظلّ هذا النظام الجديد، اضطرت القبيلة إلى اختي
ار من يُمثلها في المحاكمة. لم يكن أحد يريد ذلك.
حتى جاء الفتى – ابن المجتهد – وأخذ كلامه من الحج
ر. قال: "إذا كنتُ سأُقال، فليكن صامتاً"
;. لم يقل
شيئًا، لكن الصمت كان قانوناً.
بعد أسبوع، هبطت الرعود من دون سحاب. طُلب من القب
يلة أن تُقدّم دليلاً على البراءة. صدر أمر: من يُ
قدّم دليلًا على براءة القاتل، يُصبح من نخبة الحُ
كم. فانطلق الولد إلى محراب المسجد القديم، ووضع ي
ده على الكتب التي تُقرأ بصوتٍ مرتفع. فانبعثت من
بين الصفحات كتابةٌ مكتوبةٌ بأحرفٍ تشبه الدم: "ال
قاتل هو من أرسل الصوت".
لم يُقل اسم. لكنه لم يُعد بعد ذلك. القبيلة اختار
ت التوبة، ووضعت الجبل في خزانةٍ من صخرٍ. صُمّت ا
لأرض. صُمّت الأسماء. صُمّت الذاكرة.
لكن من يجلس الآن على حافة البئر، يسمع صوتاً قادم
اً من الداخل – ليس من فم، بل من عمقٍ لم يُكتب له
أن يُنطق.
وجاء التصحيح: كل من يُخفِي حقاً، يُفتح له بابٌ ف
ي القلب.
ولم يُطلب منه الكلام. فقط أن يبقى صامتاً.
وهذا الصمت، كان العدل.


