الصحراء لم تعد رملًا فقط—بُنيت على حافة زمانٍ مت
وقف، حيث كل خشبة من النخلة تُستخرج منها ضوءٌ لا
ينطفئ، وكل عين تنظر إلى السماء ترى أشعةٍ تتكرر ك
ل يوم دون أن تتحرك. هذا هو العالم الجديد: زمنٌ ل
م يَحِدْ بعد من كونه ساحرةً قبليةً مُجمدة.
الطبّيّة العُليا من أسرة "السليمان" في
الرياض، ا
نتُزعت من دارها لتنقذ جيشًا من الحُمراء الذين ان
قطعت عنهم الطرق منذ شهرين. كانت تنظّف أدواتها في
حجرةٍ مبنية من أحجارٍ متوهجة، حين رأى الراية ال
سوداء تُرفع في الأفق — معناها: القافلة فقدت.
المياه التي تُعطى للمرضى لا تُشرب، بل تُسكب على
الجلد ثم تُمسك من تحت الخصر، لأنها تُمتص عبر الج
لد كأنها نسيمٌ يحمل طاقةً من غير سبب. الطبّيّة ع
رفت أن السبب ليس الجفاف، بل شيئًا آخر: "الغدر با
لليل".
في اليوم التاسع من الهروب، وصلت إلى جزيرةٍ من حج
رٍ أبيض، تحوي مقصورةً بلا أبواب، وتظهر فيها لؤلؤ
ةٌ داخل حوضٍ يمتلئ بماءٍ دافئ يصدر منه همساتٌ تش
به أسماءً قديمة. أخذت أحد اللآلئ، ووضعته في جيبه
ا. في الليلة نفسها، ابتلعت المجموعة التي كانت تُ
حاول الهرب من الطبيبِ الذي كان يركض خلفهم.
اللؤلؤ لا يُقدّم للبيع، بل يُستخدم لدفع الرسوم:
كل شخص يُقدم لؤلؤة واحدة يُعاد تدويره في الزمان،
يُعيد له ذكرياته كأنها حدثت للتو. لكنه لا يُعود
كما كان. بعض الناس يعودون وقد اختفى منهم جزءٌ م
ن صوتهم.
بعد ثلاثة أيام، توقّفت الطبيبة عن القيادة. كانت
تُقيّم أثر اللؤلؤ على الطفلة التي جلسَت أمامها.
لم تكن تُحدث أي شيء، لكنها بدأت تُخرِج من فمها آ
ياتٍ لم تُسمع من قبل. هذه ليست قوة — بل فاتحة.
السبب: اللؤلؤ ليس مجرد تجارة، بل نظامٌ جديد للذك
ريات، والطبيبة وجدت أن ما تبحث عنه هو إمكانية أن
تُعيد للمدينة كاملةً أول مرةٍ كانت فيها "مد
ينة"
، قبل أن تُقسم على أساس القبيلة أو النفط.
في صباح اليوم الرابع، أعدت اللؤلؤة إلى الحوض، وا
نطفأت النار. الجميع استعادوا صوتهم، لكن لم يعودو
ا نفس من كانوا.
الطبيبة أغلقت الباب، وقررت أن تبقى في الجزيرة. ل
ا تعود. لا تُرسل رسالة. لا تُذكر اسمها.
لكن في مكانٍ قريب، في حقلٍ من الشجر، ظهر طفلٌ يم
شي ويهمس: "هل تعرفين كيف تُصنعين؟"


