الجبال في نجد لم تعد جبالًا فقط — بل صناديقًا من

ضوءٍ متراكم، حيث تنبعث الأرواح من الصخور عند دخ

ول الشفق، وتُنقل عبر أثرٍ معدني يُسمى "البُ

رد".

هذا النظام الجديد لم يُستَخدم للتنقل فقط، بل لفص

ل الناس عن أرضهم: كل قبيلة تُربط بخطٍ خفي من الم

عدن، يُمنع فيها أي تواصل مع الخارج، ويُفرض على ا

لجميع التسليم بالوصول المُحدد من خلال النظارات ا

لتي تُغطّي العينين في الليل.

الفتاة المتمردة، لينا، كانت تعيش في حفرةٍ صغيرة

على هامش السهول، ترفض ارتداء النظارة، وتُنادي بع

ودة الغائب الذي اختفى قبل وفاة والدها — ابن قبيل

تها الذي نُقِل إلى مقرات المعدن في الرياض بعد اك

تشاف النفط الأول. لكنها لم تكن تعرف أن "الع

ودة"

لا تعني شخصًا، بل نظامًا جديدًا من الذاكرة المُح

َوَّلة.

حين اكتشفت أن خطَّ البُرد قد بدأ يُعيد تشكيل الت

ذكّر في القبيلة، بدأت ترى أشباحًا من الماضي لا ت

تطابق مع الواقع: إحدى النساء تُصلي في حديقةٍ لم

تُبنى بعد، رجلٌ يحمل قوسًا من حديدٍ مجهول، وأطفا

لٌ يلعبون في شوارعٍ محفورة تحت الأرض. النظام لا

يُغيّر الطبيعة، بل يُغيّر كيف نتذكرها.

في ليلةٍ من الليالي، تم توجيه النظارات إلى كل ال

أطفال، وتم تفعيل "الحلقة الوسطى" — أول

استجابة م

جتمعية حقيقية للنظام الجديد. الجميع بدأ يشعر بال

حنين إلى مكانٍ لم يعرفوه، ويُطلقون أسماءً جديدة

على الأشجار، على البيوت، على الأسماء. ثم انطفأت

الأضواء.

لينا، وهي الوحيدة التي لم تضع النظارة، اكتشفت أن

صوت الغائب كان يُبثّ من داخل الصخور نفسها، مُكر

رًا كلماتٍ تُشبه صلاةً جماعية، ولكنها ليست كذلك.

لقد أُعيد بناء الذكرى بدلًا من إعادة الحياة.

حين أخذت النظارة من طفلٍ صغير، وشقّت الصخرة بهدو

ء، ظهرت صورة لوالدها، وراء الحجر، يُمسك بيدٍ أخر

ى — تلك التي لم تُعرف أبدًا. لم يكن غائبًا. كان

عُزلَ بين العالمين، وهو ما كان يُخبئه النظام.

لم يُعاد أحد. لكن المعدن، حين شُقّ، انكسر تمامًا

. الصخور لم تعد تحمل أرواحًا. والأحياء لم يعد له

م ذكرى.

القبيلة بقيت. لكنهم لم يعودوا يعلمون ماذا كانوا.

الحزن لم ينتهِ. لكنه تحوّل إلى شيءٍ لا يمكن التح

دث عنه.