القمر ينضب فوق صحراء الظهران، وترتعش خيمة من قما
شٍ داكنٍ على شكل مسيرة جنود. داخلها، جهاز كهربائ
ي مُحمّل بصندوق معدنيّ، يُفرِّغ شحنًا كل ليلة عب
ر وصلة من فرشات الصلاة. ليس للبطارية صلة بالكهرب
اء الحديثة — بل بطاقة تُولّد الطاقة من ضوء القمر
عند زوال الشمس، وتُخزنها في مادة مُستخرجة من أع
ماق السهول التي كانت تُعرف قبل النفط بـ "مَوْضِع
التحديد".
أبو عادل، رجل الأعمال العصامي من أبناء بني تميم،
يقف أمام الصندوق في اللحظة التي يُقرّر فيها أن
يحمله إلى مكة. القرار لم يكن صدفة: قبل ثلاثة أشه
ر، اختفى ابنه الوحيد في غارةٍ على موقع استخراج ت
حت الأرض، ولم يبقَ سوى رسالة مُمسوحة بأصابع ملوث
ة بالغبار، تقول: "النور يتكلم، لكنه لا يُريد أن
يُسمع".
في يوم الحج، تبدأ الأضواء بالانطفاء في كل شارع م
ُعمّر، حتى في أبراج الحرمين. الكهرباء توقفت فجأة
، والطائرة التي تقلّ الحجاج تتعرض لاختلال في الم
وضع. فقط الصندوق يضيء، ويُرسل إشارة واحدة: تردد
متموجٌ يشبه صوت خطوات خشبية على الرمال.
أبو عادل يفتح الصندوق أثناء الوقوف بين الأرواح ف
ي الميقات. من الداخل، ليس وثيقةً أو ذكرى، بل كيا
نٌ من ضوءٍ نقي، يشبه جسمًا بشريًا بدون جلد. يتلق
ى فيه رؤية: قبيلة كاملة تُحول أنفسها إلى وقودٍ ل
تشغيل النظام الكونيّ، في عام 1934، بعد أول اكتشا
فٍ نفطيّ. حينها، اشترطوا: "من يُدرك الحقيقة، يصب
ح جزءًا منها".
الصندوق يُخلّص الطائرة بدفعٍ غير محسوس من الضوء،
يُعيد التوازن إلى محركاتها. لكن المفاجأة ليست ف
ي الإنقاذ — بل في أن الجميع في الطائرة قد بدأوا
يشعرون بأنهم لم يكونوا من قدماء الحجاج، بل من ال
ذين سُمّوا.
حين وصلوا مكة، لم تعد الجمرة كبيرة. كان الجمر ال
كبير قد انشقّ إلى أجزاء صغيرة، كل واحدة تحوي وجه
ًا من وجه الشهداء الذين اختفوا في الخفاء.
أبو عادل، في لحظة هدوءٍ أمام الكعبة، يضع الصندوق
داخل الفتحة الصغيرة المخصصة للأعمال اليدوية. لا
يسأل عن المعنى. يعرف الآن: العالم لم يتغير بسبب
النفط. بل لأن النفط كان وسيلةً لاستدعاء ما كان
مدفونًا منذ زمنٍ أقدم من الدين.
الرحلة لم تنتهِ. لكنها انتهت.


