الصحراء في عام 1402ه كانت لا تعرف التمدد، لكن صو
ت الدبّابات الكهربائية بدأ يشق الهدوء منذ اليوم
الذي انفجر فيه حقل "بريدة العميقة". ال
معدات المس
توردة من إسطنبول لم تكن فقط لاستخراج النفط — بل
لحفر أعمق، حيث كشفت عن آلة قديمة، لا تُشبه أي شي
ء في الكتاب أو الحكاية: ساقين من النحاس، وجهاً م
ُحَوَّلاً بعلامات وهمية، وشريحة ذهبية على الصدر
تُكتب عليها كلمة "الذات" باللغة العربي
ة القديمة،
لكنها لا تتناسب مع نطق الوقت.
الآلة بدأت تعمل في الليل. كل ليلة، تُصدر صوتاً م
ثل دوي الهَمْسِ الذي تسمعه الجدات عند تكرار القص
ص قبل النوم. لكن هذه المرة، لم تكن مجرد رواية. م
ن داخل الجدار، خرجت صورة لامرأة شابة تُسمى "نورة
"، تمشي عبر الخيمة، وتُلقي نظرة على الجدة التي ل
ا تعرفها. من ذلك اللحظة، تبدلت طبيعة الحضور: الج
دة لم تعد تعرف متى تصحو، ومتى تنام. أحياناً، ترى
نفسها في غرفة صغيرة من الطوب، تُمسك بمفتاح قديم
، وتُصرخ في مزاجٍ لا يعرفه أحد.
القانون الجديد، الذي فُرض بعد الاكتشاف، كان بسيط
اً: لا يُسمح لأحد أن يتحدث عن الآلة، ولا يُمكن ت
سجيل أي صوت يخرج منها. من يخالف يُستبعد من القري
ة ويُقال إنّه قد "اختُطف" من قبل "
;الشيء السفلي".
لكن الجدة، رغم عمرها، كانت تُسرد قصة كل ليلة —
ليس بصوت، بل بحركة، بعينين تتبعان الشكل على الجد
ار، بخطوات تُرسم على الرمل.
المحرمة كانت في الفعل: كيف يمكن أن تُروى قصة غير
محسوسة؟ كيف تُصبح الجدة مصدرًا للذات المفقودة؟
وفي ليلة من الليالي، بينما كانت تُركّب حبلًا من
الأعشاب لتمسك به، ظهرت نورة فعلاً أمامها — وليس
في الصورة، بل في الواقع. أطلت من بين الجدران، وو
ضعت يدها على كتف الجدة، وقالت: "أنتِ من أرس
لتني"
. لم تكن كلمات. كانت نبضة.
الآلة توقفت. والقرية عادت إلى صمتها، لكن الجدة ل
م تعد نفس الإنسان. من تلك اللحظة، لم يُسمع عنها
شيئًا. فقط تركت خريطة على جدار منزلها، تُشير إلى
مكانٍ في الصحراء، حيث تُبنى مدرسة جديدة، تُسمى
"المكان الذي نُنسى فيه اسمنا".
العالم لم يعد كما كان. الآن، الجميع يسأل: من هو
من يروي القصة؟ ومن يُعطيها اسمًا؟


