في خضم التمدد الشمالي للشبكة الطبية الذكية، أُدخ
لت طرق جديدة لتوزيع الأدوية عبر وحدات باردة متحر
كة تحت الأرض—أرض لا تُمسّ بيد إنسان، ولا تُرى إل
ا من خلال شاشات السماوات. كان هذا النظام هو النت
يجة الأخيرة لعامين من التجارب في البيئة الصحراوي
ة القاسية، حيث اقتُرح أن يُستبدَل البشر بالآلات
المتحكم بها.
الطبيبة مريم بن زايد، من أبناء قبيلة الجبل العال
ية، كانت أول من استخدمت الشبكة في توصيل علاجات م
خصصة لمصابي التسمم الناتج عن التلوث الحراري الجد
يد الذي أحدثه التوسع الصناعي. عملها لم يكن معروف
ًا إلا داخل دائرة الضوء، حتى حين سقطت وحدة تبريد
واحدة بالقرب من قرية "الغزال" — القرية
التي تُع
دّ آخر موقع لا يُغادر فيه أحد منذ 1948.
لم يَشْرَح أحد كيف وصلت الوحدة إلى هناك، لكنها ا
نفجرت أثناء محاولة أحد الأطفال فتحها. أُصيب عشرة
أشخاص، منهم اثنان توفيا. بينما بدأ التحقيق، تم
الكشف أن العينة التي كانت ضمن الوحدة كانت مأخوذة
من مريض مُعَوَّق في مستشفى الخرائط، شخصية لم تُ
سجّل رسميًا كمُدرّب أو مُختَبر، بل كـ"غير م
رئي".
تمّ إعلان الحادث "حادثًا تكنولوجيًا"،
لكنه لم يُ
كتب على أيّ سجل. فقط كلمة واحدة ظهرت في مذكرة دا
خلية: "تمّ استخدام عينة من طبيبته المُنفِّذة، غي
ر مسجلة."
مريم أُرسلت مباشرة إلى عزلة في منطقة مكّة، حيث ل
ا تصل الشبكة، ولا يُسمح لأحد بالدخول. وُضع عليها
لائحة حرمان تمنعها من أي تواصل مع العالم الخارج
ي، وتُعتبر مُنتَظِرًا للفقرة الأخيرة من التحقيق:
هل كان خطأً، أم تعمّد؟
بينما تجلس في حجرة صغيرة، تتلقى رسالة مجهولة على
شريط رمادي — لا يحمل رقم، ولا بصمة. تقرأ: "كل ش
يء يُستعاد إذا أُعيد فهمه. لكنكِ لم تُفهمِيِهِ."
في الليلة الثالثة، نفخ الهواء من الخارج. فتحت شب
اكًا مغلقًا بعناية، وظهر أمامها ضوءٌ متغير. ليس
من المصنع، وليس من سلك. بل من كائنٍ على شكل شبح
بسيط، يتحرك بين الأعمدة. لم تصرخ. لم تهرب. بل أخ
ذت مسدسًا كهربائيًا صغيرًا من جيبها، ورسمت دائرة
حوله.
الضوء توقف. ثم اختفى.
في اليوم التالي، تمّ تسليمها وثيقة موقعة من قبل
وزارة الصحة: "إعادة تقييم مؤهلات الطبيب/ة مريم ب
ن زايد، باعتبارها مُقدِّمة أولى للنظام الجديد، ب
عد إثبات فاعليتها في مجال العزلة."
لم تعد تُحَوَّل إلى حجر. بل إلى مركز. وتمّ تشغيل
أول شبكة ذكية تُدير نفسها بحسب "المؤهلات الإنسا
نية" بدلاً من الإمكانات التقنية.
ولم يُعرف أبدًا من أرسل الرسالة. ولكن عند الفجر،
وُجدت ورقة بجانب النافذة، مكتوب عليها بخطٍّ يشب
ه حرف الميم:
"الوصمة تُستَر بمكانٍ لا يُقال فيه 'كف
ى'."


